ذلك ما جاء في حياة بعض الأطباء التونسيين أصحاب الخبرة والشهرة ومن بينهم :
قسطنطين الإفريقي .
إن قسطنطين أدخل الطب العربي إلى أوروبا يوم كانت في حاجة أكيدة إليه ، يوم توقفت المدنية اليونانية والحضارة الرومانية ، وانحطت شعوبهما فكان له فضل عظيم في تعليم الطب العربي بإيطاليا ونال من الشهرة ما رددته الألسنة وتضخمت مع طول الزمان حتى أصبحت في قالب الأسطورة تذكر في الحفلات الساهرة ويحملها القصاصون المتجولون
Troubadours
من بلد إلى آخر .
يحكى أن قسطنطين كان جوالا طاف الشرق كله . دخل مصر وبغداد وبابل والهند وتعلم كثيرا من اللغات ، ولما رجع إلى تونس مسقط رأسه وحكى ما شاهده في هذه الأقطار اتهم بالكذب والسحر واضطهد حتى ساء أمره . فنزح إلى إيطاليا وحل ببلد سلرنو
Salerne
يتسول ليقتات فعثر عليه البرنص الذي كان قد تعرف به في بابل من قبل ، فقدمه إلى ابن عمه زعيم البلد ورئيسها البرنس جسكار
Giscard
فأكرم مثواه . ثم استقر قسطنطين بدير كسينو عند الرهبان وتنصر وتعلم اللاتينية وهي اللغة العلمية السائدة في أروبا وترجم الكتب الطبية العربية .
إن إفريقية في القرن الرابع الهجري ( العاشر والحادي عشر الميلادي ) كانت في أوج الحضارة لم تعبث بحلول رجل طاف الشرق . وسكان تونس كانوا في اشتياق عميق إلى أخبار العالم والشرق خاصة . والحجيج والتجار والجوالة كانوا الجرائد الناطقة والإخباريين الذين تسجل أقوالهم وتحفظ للتاريخ . وكل قادم من الخارج يحل حوله الناس ليتزودوا من الأخبار والعلوم ما لا يعلمون . ويقدمونه إلى الأمير . فهل يعقل أنهم يفرون منه ويرمونه بالسحر ويجبرونه على الهجرة من بلاده ؟ وهل يعقل أن عالما عربيا وجوالا يحل ببلاد الإفرنج في تلك العصور بدون أن يحظى بالإكرام بمجرد وصوله حتى يضطر إلى التسول في الطرقات ؟ .
ولو كان قسطنطين رحالة لكتب رحلته ولحفظها لنا التاريخ أو أشار إليها الإخباريون العرب أو الإفرنج .