( تونس ) « 1 » أن المدرسة الطبية القيروانية الكبيرة كانت ( يهودية ومسلمة ) ، وهو مذهب المجلة الطبية التاريخية العبرانية التي تصدر باللغة الفرنسية بباريس وتشيد بصفة علنية أو مستترة بكل عمل صدر من طبيب يهودي . ونزعة هذه المجلة دينية وقومية . فوجب التساؤل هل لليهود طب عبراني وهل لهم قومية عبرانية ؟ أجمعت العلماء على أن اليهود لم يتمتعوا بقومية عبرانية عبر التاريخ . ويجسمون قولهم بهذه العبارة : « اليهودية دين ليس قومية » ذلك أن القومية حديثة العهد . لم يعرفها اليهود يوم كانوا بالقدس منذ خمسة وعشرين قرنا ولا بعد هجرتهم وتشردهم عبر العالم . وما الصهيونية الجديدة العهد إلا محاولة لاكتساب وطن واكتساب قومية .
أثبتنا في الفصل السابق أن الطب الذي كتب باللغة العربية من أقلام وقرائح مختلفة كان طبا عربيا . علينا أن نثبت أنه لم يصطبغ بنزعة دينية ولا يهودية . تذكر المصادر الجديرة بالاهتمام أن اليهود حلوا بأفريقية مع الفنيقيين وكانوا في خدمة البيزنطيين المحتلين للبلاد في نزاعهم ضد العرب والكاهنة البربرية التي تزعمت مقاومة الجيوش العربية وانهزمت وقتلت سنة 84 / 703 وكانت حسب الزعم يهودية . ولما ثبت قدم العرب بإفريقية انقاد اليهود لهم ودفعوا الجزية وتمتعوا بالطمأنينة وأثبتوا على دينهم واشتغلوا بالفلاحة والتجارة والصنائع وكان منهم الأطباء : إسحاق بن سليمان وتلميذه دناش بن تمام وغيرهما .
ولهذين الطبيبين كتب في الطب وفي الدين العبراني وكلاهما ولد ونشأ في بلاد تحت السلطان والنفوذ العربي وقرأ وتثقف باللغة العربية وكتب بلسانها الفصيح جميع كتبه حتى الدينية العبرانية منها ولم تظهر هذه الكتب بالحروف العبرانية إلا في آخر حياتهما أو بعد وفاتهما . وما ذكر عن هذين الطبيبين أؤكده في شخص أكبر وأشهر طبيب يهودي أندلسي وهو موسى بن ميمون القرطبي الذي ولد بدوره في بلاد إسلامية ونشأ فيها وقرأ بالعربية ولم يكتب إلا بها وكان عالما بالدين العبراني وتزعّم جاليته بالأندلس وحرر كتابه « دلالة الحائرين » في الفلسفة والدين العبراني
هامش
( 1 ) طبع باريس 1947 ج 2 ص 372 . وترجمه الأستاذ حمّادي الساحليّ ونشر ببيروت ، دار الغرب الإسلاميّ .