الاستقراطية الحاكمة . أما الفلاحة والصناعة والتجارة فكانت بأيادي أهل البلاد ومن النقاد من أعارهم نصيبا من الإنصاف فذكروا أن العرب أخذوا الطب عن اليونان وذكوه وأدخلوه إلى أروبا يوم كانت في حاجة إليه وفي ذلك كفاية وفضل عظيم .
الحقيقة أكثر من ذلك . إن العرب أنفقوا أموالا طائلة لجمع ما بقي من التراث العلمي اليوناني الذي ضاع أكثره ، وما بقي منه كان مبعثرا فجمعوه وحفظوه من التلف . ولا جدل أن الإنتاج الفكري للجاليات التي شاركت في حفظه وترجمته بقطع النظر عن أديانها وجنسياتها ينسب إلى الوطن الذي احتضنها وأنفق عليها ووفر لها أسباب العمل . والتسامح الذي جاء به الدين الإسلامي قد خول التعايش والتعاون بصفة عامة بين سكان البلدان التي حكمها العرب . واللغة العربية التي ألفت بين قلوبهم وكانت العروة الوثقى بينهم يتخاطبون بها ويؤلفون فيها وكانت اللغة البليغة الفصيحة الغنية بمفرداتها وكثرة اشتقاقاتها وهي التي أزاحت العصبية والقبلية وجمعت بين العلماء على صعيد واحد ومستوى واحد . وأصبحت اللغة العلمية لعالم حضري متمدن . ولم يخطر ببالنا أن أطباء العرب والتونسيين خاصة أتوا بالمعجزات ، فقد كان نصيبهم متواضعا بالنسبة لما عليه الطب اليوم ، والواجب أن ننظر إليه بالنسبة إلى العصر الذي نشأ فيه والوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي لذلك العصر ، وأن ما أخذه العرب عن اليونان كان في نظرنا طفيفا وازدان بدقة الملاحظة ، وكثرة الوصفيات والأدوية وتأسيس المستشفيات التي لم يحدثها اليونان والتي أصبحت مدارس لتعليم الطب ولولاها لما تسنى لأبي بكر الرازي أن يفصل عن مرض الجدري مرض الحصباء ويبين مظاهر وأوصاف كل منهما . ومن عمل العرب أنهم رتبوا أوصاف الأمراض وكانت متفرقة منفصلة عن بعضها بعضا وبوبوها . وكان نصيبهم في أمراض البصر كبيرا . والجراحة مدينة لأبي القاسم الزهراوي الأندلسي فقد دوّن فيها وشرحها بالصور وهي طريقة جديدة فذة .
وتولى ابن نفيس الدمشقي التشريح وإن لم يجهر به فخوله اكتشاف الدورة الدموية الصغرى ووصف القلب جهازا دمويا غير الجهاز الهوائي كما تخيله جالينوس
الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 22
مساهمون: أحمد بن ميلاد
ص٢٢