تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
خلت بفضل الوسائل الوقائية الفعالة التي أعدتها السلطة السعودية . وإن كاد العلاج أن يكون مستحيلا في القديم فإن الوقاية أصبحت اليوم في استطاعة الفرد والجماعة والحكومات . هناك احتياطات كثيرة كان يعمل بها على الصعيد الشخصي والقومي : ففي تونس كانت المراقبة في المواني تأمر بإجبار المراكب القادمة من البلدان الملوثة بالتربص « الكرنتينة » حتى يتبين سلامة الركاب والبضاعة المنقولة . وكانت المرضى تعزل بالحجر الصحية وأعدت تونس الهياكل المتسعة بحي الحفصية ( المعامل التي كانت تصنع فيها المدافع ) وكذلك بالمخازن المتسعة بحي القلالين ، وأعدت فشلة سوق الوزر لليهود لقربها من حارة سكناهم وأعدت الحكومة أطباء لربض المدينة وربض باب سويقة وربض باب الجزيرة وأعانت المصابين ماديا وحرقت الثياب الملوثة ، ووقع التعجيل بدفن الموتى ، وتبخير البيوت باللبان وزيت العرعار أربع مرات في اليوم ، وسكن الناس المرتفعات واحتجب صاحب البلاد ( الباي ) بباردو أو بقرطاجنة أو بالمحمدية ولا يتصل بالرعية ، ويتخاطب مع الوزراء من وراء شرفة . وأنه صدر أمر سنة 1266 بمنع الخروج من البلد الملوث أو الدخول إليه فكان العمل به نسبيا لتعذر منع مرور الأشخاص والقوافل في بلاد متسعة . كل ذلك عند حلول الكوليرا . عرف بكارثة سنة 1266 ه الشيخ محمد بيرم الثاني مفتي الحنفية بالعاصمة الذي أصيب فيها بامرأته وخمسة من أبنائه سجلها في كنشة الموجود بالمكتبة الوطنية تحت رقم 18257 . وهذه نتف منها أوردها لما جاء فيها من وصف للحالة الاجتماعية بتونس مدة المرض خصوصا وأن كتب التاريخ فقيرة منها :
أقول وقد مضى أهلي سريعا * وما بي بارتجاعهم يدان فلو نعطى الخيار لما افترقنا * ولكن لا اختيار مع الزمان فهذا ما استطعت أقول فيهم * وهذا في رثائهم كفاني لعظم قضيتي فيهم ورزئي * لأكثر لم يطاوعني لساني
وقال :
الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 165 | أحمد بن ميلاد