ولئن لم يشر في مقدّمته إلا إلى الألفاظ « البربريّة واللاطينية » فإنّ منزلة التسميات العربيّة الخالصة المستمدّة من اللهجات العربيّة المحلّية تفوق المصطلحات اللاتينية والبربريّة عدّا ، فالمعجم الطبّي والصيدليّ عند ابن البيطار متفتح تفتّحا كبيرا على اللهجات العربية في عصر المؤلف « 115 » ، ولا شكّ ان لرحلة ابن البيطار العلمية الطويلة عبر معظم البلاد العربية الاسلامية دورا أساسيّا في تفتّحه على « معجم اللهجات النباتية » العربية في عصره . فقد كان ينصرف في كل بلد يحلّ به إلى التعشيب ودراسة النباتات في مواضعها ويسأل الناس عن أسمائها عندهم . وقد مكّنه ذلك الاستخبار من تدوين أسماء نباتات كثيرة من لهجات الأندلس والمغرب الأقصى والمغرب الأوسط ( الجزائر ) وإفريقية ( تونس ) وطرابلس الغرب ومصر وبلاد الشام ( فلسطين وسوريا ولبنان ) والعراق وبلاد الحجاز واليمن ، بل إنّ ابن البيطار لم يكتف بمشاهداته هو فاقتبس الكثير من الأسماء « العاميّة » المحليّة من كتاب أستاذه أبي العباس النباتيّ « الرحلة المشرقية » الذي اعتمد فيه مؤلفه محض ملاحظاته الطبيعية ومشاهداته في البلاد التي زارها وأقام فيها للتعشيب ودراسة النباتات في مواضعها .
فقد تمكّن ابن البيطار - اذن - انطلاقا من تجربته الخاصة واعتمادا على أستاذه أبي العباس من تدوين رصيد مهمّ من الأسماء « العاميّة » النباتية في كتابه ، وجلّ تلك الأسماء عربي محض . وهذا المنحى الذي نحاه جعله يختلف عن الغافقي كثيرا ، إذ أن الغافقي في كتابه « الأدوية المفردة » لم يسجّل إلّا ما ينتمي إلى اللهجات الاندلسيّة من الأسماء النباتية ، لأنه لم يغادر الأندلس ولم يدرس غير محيطها الطبيعيّ .
والسبب الرابع الذي جعل عدد المصطلحات العربية الخالصة عند ابن البيطار يفوق عددها عند الغافقي هو فتح ابن البيطار الباب واسعا أمام ترجمات الأسماء الأعجمية في كتابه ووضعه تلك الترجمات مصطلحات مداخل في كتابه ، مثل مصطلح « رجل
هامش
( 115 ) انظر حول ظاهرة اللهجات النباتية عند ابن البيطار : إبراهيم بن مراد : منهج ابن البيطار ، ص ص 104 - 105 .