أهم قد واجهت النقلة والمترجمين ، هي قضيّة « الفراغات المعجمية » في اللغة العربية في ميداني الطب والصيدلة . فقد وجدوا أنفسهم أثناء قيامهم بعمليات الترجمة أمام مصطلحات أعجمية كثيرة ليس لها مقابل أصلا في اللغة العربية ، فاضطروا لذلك إلى أن يكتفوا برسم تلك المصطلحات بأحرف عربية ، تاركينها على حالها الأعجمية . وقد كوّنت هذه الظاهرة قضية معجمية حقيقية بالنسبة إلى المؤلفين العرب والمسلمين في الطب والصيدلة . ولعل أول من تفطن إليها وحاول معالجتها هو الطبيب القيرواني أحمد ابن الجزار ، منذ القرن الرابع الهجري ، فقد ألف ابن الجزار كتابه « الاعتماد في الأدوية المفردة » وكان من دوافعه إلى تأليفه « أن كثيرا من الأدوية التي القياها [ أي ديوسقريديس وجالينوس ] في كتبهما مجهول غير معروف في اللسان العربيّ ، وكثير منها معدوم غير موجود » « 159 » .
وقد واجهت هاتان القصيتان - أي « خيانة » التراجمة حسب عبارة البيروني و « الفراغات المعجمية » في اللغة العربية الطبية والصيدلية - أحمد الغافقي فيما بعد ، عند تأليفه كتابه « الأدوية المفردة » . وقد سعى إلى التغلب على القضية الأولى بما أورده من « تفاسير » و « شروح » للمصطلحات الأعجمية « المجهولة » - حسب عبارته - بحثا منه عن المقابلات العربية للمصطلحات الأعجمية ، فكان بذلك العالم الاصطلاحيّ
( le terminologue )
الذي يحاول خلق المصطلح العربي وتوليده ، وسعى إلى التغلب على القضية الثانية باقباله اقبالا كبيرا على المصطلح الأعجمي نفسه ، فلم يكن موقفه منه موقف الرفض بل تبنّاه ، فكانت « الأسماء عنده تتبع الأشياء » حسب عبارة الشاعر اللاتيني هو راس
Horace
« 160 » . وكان موقفه لذلك من المصطلح الأعجمي طبيعيا ، لأن « المصطلح الأعجمي يتبنّى عادة لعدم وجود مصطلح يؤدّيه ويدل عليه في اللغة المقترضة » « 161 » .
هامش
( 159 ) ابن الجزار : الاعتماد ، ص 113 ظهر .
( 160 ) انظر :GUILBERT , Creativite lexicale , p . 91.
( 161 ) نفس المصدر ، ص 93 .