تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصطلح الأعجمي في كتب الطب والصيدلة العربية — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وهذا الاعتماد الكبير على اليونانيين والاقبال الواسع على الثقافة اليونانية الطبية والصيدليّة دليلان على اعتبار اللغة والثقافة اليونانيّتين تمثلان بالنسبة إلى الغافقي حضارة متميّزة يحسن الأخذ منها والاعتماد عليها والاتصال بها . فالغافقي اذن - كما رأينا - قد أحلّ المصطلح الأعجمي في كتابه - واليونانيّ خاصّة - منزلة متميزة بكثرة اعتماده عليه وتفضيله أحيانا على المصطلح العربي نفسه واستعماله له دون تحفظ أو تخرّج في سياق الجملة العربية . وهذه الحظوة التي يتميّز بها المصطلح الأعجمي كتاب الغافقي تدلّ في رأينا على موقف الغافقي من اللغة العربية واللغات الأعجمي . فاللغة العربية بالنسبة اليه لا تستطيع إرضاء حاجاتها العلمية في ميداني الطب والصيدلة بنفسها بالاعتماد على رصيدها المعجمي الخاص ، ذلك أن المعجم العربيّ كثير النقص والثغرات في مجال « المفردات » الطبية والصيدلية ، لا يوفّر للمؤلفين العرب في الطب والصيدلة كلّ ما يحتاجون اليه من المصطلحات . وقد عمّق من هذا النقض عجز التراجمة الذين كانوا منذ القرن الثالث الهجريّ همزة الوصل بين الثقافة العربية الاسلامية وغيرها من الثقافات - وخاصة اليونانية - بنقلهم الآثار الأعجمية الطبية والصيدلية إلى اللغة العربية . فهم لم يكونوا دائما من أصحاب الاختصاص في الطب والصيدلة ولم يكونوا على علم بكلّ ما في المعجم العربيّ من المصطلحات التي يمكن أن تؤدّي المصطلحات الأعجمية . ولقد كان أبو الريحان البيروني قد تفطن إلى ذلك فقال : « وللتراجمة فيها ( أي كتب الطب والصيدلة المترجمة ) خيانة أخرى هي ترك بعض ما يوجد في أرضنا من العقاقير وفي لغة العرب اسم لها على حاله باليونانية حتى يحوج بعد الترجمة إلى تفسير » « 158 » . ولكن هذه القضية في الحقيقة ثانوية إذا قيست بقضية أخرى
هامش
( 158 ) البيروني : الصيدنة ، ص 14 ، لكن موقف البيروني هذا يعتبر صفويا إذا قيس بموقف أبي نصر الفارابي ( ت . 339 ه / 950 م ) من تراجمة الآثار الفلسفيّة اليونانية ، فقد قال : « والفلسفة الموجودة اليوم عند العرب منقولة إليهم من اليونانيين ( . . . ) ونحن نجد المسرفين والمبالغين في أن تكون العبارة عنها كلها بالعربية » . كتاب الحروف ( تحقيق محسن مهدي ، ط 1 ، بيروت ، 1970 ، 253 ص ) ، ص 159 .