يبدأ طب الأسنان عند العرب كما بدأت فروع الطب الأخرى وفروع العلم كله عندهم ، من تراث ضئيل ، ثم من انفتاح على حضارات واسعة موروثة عن قدماء المصريين والبابليين ثم من معاصريهم من الهنود والفرس والروم ، يتلقاها أولئك العرب المتفتحون للعالم الذي انبلج أمامهم بغتة والذي هيأهم القدر يومها لقيادة حضارته ردحا طويلا بعد ذلك .
ويبدأ العلم الجديد بترجمة تراث السابقين وتجميعه وتمحيصه وهضمه ، ومن هذا المنبعث يبدأ علماؤهم وأدباؤهم وعباقرتهم في العطاء والابتكار والإضافة والإثراء ، حتى يبلغون في ذلك شأنا يبلغ ذروته في عصرهم الذهبي ، حوالي القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) ، ويبزغ من بينهم فطاخل يرسمون النهج الذي سوف يفرض نفسه على العالم بعد ذلك قرونا .
وبالرغم من أن طب الأسنان لم يظهر فرعا قائما بذاته في الطب العربي ولم يتفرغ له متخصصون فيه وحده ، إلا أن أطباءهم جميعا قد خصّوه من الاهتمام بمثل ما بذلوه لفروع التخصص الأخرى .
ويمكننا أن نعتبر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي ( 865 - 925 م ) أعظم من كتب ومارس طب الأسنان من بين أطباء العرب . وقد خصص في الجزء الثالث من كتابه الكبير « الحاوي في الطب » فصولا ظوالا لطب الأسنان وضح فيه اهتمامه البالغ بالناحية العلاجية منه .
والقطب الثاني من أطباء العرب الذين أولوا طب الأسنان اهتمامهم كان أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوى ( 936 - 1013 م ) ولعل كتابه « التصريف لمن عجز عن التأليف » أرقى ما كتب العرب عن جراحة الأسنان .
وذلك بأسلوب علمي واضح خال من الحشو أو التكرار وبنظام ودقة تدعو
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 191
مساهمون: محمد كامل حسين
ص١٩١