ولو نظر الدكتور نظرة ثانية ، لضاعف هذا القدر ، لما في هذا السفر الجليل النفيس من الأغلاط التي مسخته مسخا ، وزهدت النفوس في اقتنائه . فهو في حاجة إلى إعادة طبعه طبعا متقنا خاليا من تلك المزالق التي تعجم الكلام . وتضعه في موطن لا تناله الأفهام ، ولا تتثبت من معانيه العرب ولا الاعجام .
زد على ما تقدم أن في الكتاب - على ما قال حضرة الأستاذ الدكتور - كثيرا من الالفاظ غير مضبوطة بالنقط ، ولا سيما في أسماء الرجال والأماكن ، حيث لا رجاء للتصحيح من سياقة الكلام . قال : فوجدت هذا أصعب الأمور ، إذ المؤلف يذكر أماكن عديدة لا ذكر لها في معجم ياقوت الحموي ، ولا في غيره من كتب الجغرافية ، حتى لا يمكنني أن أثق بالنسخ الثلاث . مثلا : نجد في النسخ الثلاث تكرير موضع مسمى ( زرويان ) بالياء المثناة ، وتارة بالباء الموحدة . ورأيي الآن ، ان الباء الموحدة هي الصواب ، وهو اسم موضع في بلاد الافغانستان الآن ، أو كما قال المؤلف نفسه :
في موضع واحد في زابلستان .
ثم إن البيروني نفسه كتب تأليفه في اللغة العربية ، التي كانت له أجنبية ، فيقع في كلامه بعض الخشونة . - صنّف البيروني هذا الكتاب مثل كتابه في ( الصيدنة ) في شيخوخته . وقدمه للسلطان مودود بن مسعود الغزنوي ، الذي ولي من سنة 434 إلى سنة 441 . وكان البيروني حينئذ قارب الثمانين من عمره . وكان بين يديه من الكتب في معرفة الجواهر : كتاب لأبي إسحاق الكندي ، ونصر الدينوري ، كما ذكره نفسه في المقدمة .
فتجد انه كان عنده غير هذين الكتابين ، مثل : الكتاب المنحول إلى أرسطاطاليس . - وكتاب منافع الأحجار لعطارد ، وغير ذلك من كتب الأدب ، كما يشاهد كثرة الأبيات الشعرية .
وفيما يفوق كتاب البيروني سائر الكتب في أوصاف الجواهر والفلزات . انه كان أول من أثبت الثقل النوعي ، لأكثر الجواهر والفلزات . وعلّم أن هذا الثقل النوعي يمنع من الغش ، إذ لكثير من الجواهر الثمينة مشابهات في اللون والماء ، لا تميز إلا بالصلابة والثقل .
نخب الذخائر في أحوال الجواهر — صفحة 106
مساهمون: محمد بن ابراهيم الأنصاري ( ابن الأكفاني )
ص١٠٦