قوى البصر أشدّ من إحالة الهواء إلى هذه الهيئة من ضعف البصر ، ويجب أن يكون ضعفاء الإبصار إذا اجتمعوا رأوا أقوى ، وإذا تفرّقوا رأوا أضعف ، وأن ضعيف البصر إذا قعد جانب قويّ البصر رأى أشدّ ، لأن الهواء يستحيل إلى تلك الهيئة كيف كانت اجتماع العلل الكثيرة ، والقوّة استحالت أشدّ ، فيكون أداؤه للبصر ، ومعونته في الإبصار أقوى ؛ لأن الضعيف إذا وجد معونة من « 1 » خارج ، كان لا محالة أقوى فعلا ، ثم نحن نشاهد ضعف البصر لا يزيده اقتران أقوياء البصر أو اجتماع كثرة لا محالة ضعفاء البصر معه شيئا في إبصاره ، فهذا بيّن المحال .
ويقول أيضا : لا يخلو الهواء حينئذ ، إمّا أن يكون آلة أو واسطة ، فإن كان آلة فإمّا أن يكون حسّاسا ، وإمّا أن يكون مؤدّية ، ومحال أن يقال : إن الهواء قد استحال حسّاسا ، حتى إنّه يحسّ الكواكب ويؤدّي ما أحسّه إلى البصر ، ثم ليس كلّ ما يبصر بملامسة ، فإنّا قد نرى الكواكب الثابتة والهواء لا يلامسها ، وما أقبح بنا أن نقول : إن الأفلاك التي في الوسط ينفصل « 2 » عن بصرنا ، ويصير آلة له ، فإن هذا ما لا يقبله عاقل مخلص ، أمّا نحن فنظن أن الهواء إذا كان شفّافا بالفعل ، وكانت الألوان ألوانا بالفعل ، وكان البصر سليما لم نحتج إلى وجود شيء آخر في حصول الإبصار .
وقد اختصر الشيخ في « عيون الحكمة » هذه [ الثلاث المذاهب ] « 3 » ، وذكر الرّدّ على المذهبين الأوّلين ، وبرهن على صحة مذهب الطبيعيين القائلين ] « 4 » بالانطباع ، ورتّب ذلك شكلا هندسيا ، فلهذا ذكرته هنا ، قال : وقد غلط من ظن أن الإبصار يكون بخروج شيء من البصر إلى المبصرات ويلاقيها ، فإنّه إن
هامش
( 1 ) في ب : « في » .
( 2 ) في الأصل « ينفعل » ولعل الصواب ما ذكرناه .
( 3 ) في النسخ : « الثلاث مذاهب » .
( 4 ) آخر الساقط من : ج ، والذي تقدمت الإشارة إليه .