البحث الثالث في إثبات منافع الأعضاء
قد منع قوم من الأولين منافع الأعضاء ، وقالوا إنها لم تخلق لمنفعة بعينها وأنها هي وغيرها إنما وجدت بالاتفاق ، وذلك لأن الفضاء عند هؤلاء فيه « 1 » أجزاء لحمية ، وأجزاء عظمية ، وأجزاء أرضية ، وأجزاء سماوية وغير ذلك . وإن هذه الأجزاء دائمة الحركة ، فإذا اتفق منها أجزاء اجتمعت فصارت مثلا أرضا أو سماء أو فرسا ونحو ذلك . فإن « 2 » صلح ذلك للبقاء بقي ، فإن صلح مع ذلك للنسل نسل ، واستمر نوعه بالتوالد « 3 » وما لم يصلح لذلك فنى وفسد .
ولا امتناع عند هؤلاء في أن يوجد ما نصفه إنسان ونصفه سمكة أو بغل ونحو ذلك ، وليس شئ من ذلك مقصودا بحكمة « 4 » أو غرض ولعل في ذلك الفضاء عوالم لا نهاية لها ، ونباتات ، وحيوانات على هيئات غير معهودة عندنا .
والحق أن هذا باطل ، وأن اللّه تعالى ، وإن كان « 5 » لا يفعل لغرض ، فأفعاله لا تخلو عن الحكم ، ولولا ذلك لكان هذا الوجود عبثا وهو محال ، وتحقيق هذا إلى علم آخر .
والذي ينبغي أن نقوله الآن : ان الخالق تعالى وحده « 6 » لعنايته بهذا « 7 » العالم يعطى كل متكون ما هو له أفضل من الجوهر « 8 » والكم والكيف وغير ذلك . فأي شئ من ذلك علم وجوده لعضو علم أن ذلك العضو لم يكن خلقه كذلك إلا وهو له أفضل ، فإذا عثر على منفعة تصلح لأن تكون غاية لخلقه كذلك ظن أنها هي الغاية ، وإن كان يجوز أن تكون خلقته لذلك « 9 » لسبب آخر خفى عنا لا لما ظنناه « 10 » منفعة .
هامش
( 1 ) ن : فيها .
( 2 ) د ب : و .
( 3 ) د : بالتواليد .
( 4 ) د ح ب : بحكمة .
( 5 ) ن م : ساقطة .
( 6 ) أ : حدة .
( 7 ) ن د : لهذا .
( 8 ) ن : الجواهر .
( 9 ) ن د : لهذا .
( 10 ) أ : حسبناه .