مما لا يحتاج فيه إلى أن يكون لحامل « 1 » ذلك للانفعال مساحة يعتد بها فلذلك يكفى في نفوذ الروح الحاملة لذلك الانفعال التام الذي لا بد منها في الأعصاب بخلاف هذا الروح فإن النافذ من العينين إلى الدماغ إنما هو أشباح المرئيات وتلك الأشباح يحتاج حاملها لا محالة أن تكون له مساحة يعتد بها ، فلذلك لا يمكن نفوذه في مسام الأعصاب بدون فساد تلك الأشباح فلذلك يحتاج هذا العصب النوري أن يكون ذا تجويف ظاهر ينفذ فيه الروح « 2 » البصري .
ومن تجويفى كل واحد من فرديه يحدث تجويف واحد في وسط مسافة نفوذهما إلى العينين وفي ذلك التجويف مكان القوة الباصرة ، ولو كانت هذه القوة في عين واحدة لكان وجود الأخرى عبثا / ولو كان في كل قوة عين قوة « 3 » باصرة لكان الشئ الواحد يرى بكل واحدة في العينين / فكان الواحد يرى اثنين .
ولقائل أن يقول : لو كان الأمر كذلك لكان الشئ يسمع اثنين . لأن كل واحدة من الأذنين فيها قوة سامعة فإن قوة السمع لو كانت واحدة وموضوعة في إحدى الأذنين لكانت خلقة الاذن الأخرى عبثا . ولو كانت هذه القوة في داخل تجويف « 4 » الدماغ لكان الصوت يتخيل ولا يسمع كما قلتم في الإبصار .
وجوابه : إن الأمر في السمع ليس كما في الإبصار وذلك أن ادراك السمع هو من جنس أدراك اللمس . وكما أن قوة اللمس متكثرة لأن هذه القوة في جميع الجلد ، وفي أكثر اللحم ، وفي الأغشية وغير ذلك .
ومعلوم أن هذه الأشياء ليست القوة التي فيها قوة واحدة ، بل كثيرة جدا فلذلك قوة السمع لا تمتنع عليها أن يكون متكثرة بخلاف قوة البصر . وإنما قلنا إن قوة السمع من جنس قوة اللمس لأن إدراك قوة السمع إنما هو التموج الحاصل في الهواء الراكد في داخل الأذن النافع لتموج الهواء الحامل للصوت ، وادراك هذا التموج هو بانفعال الحاسة عنه ، كما تنفعل حاسة اللمس عن الملموسات الحارة والباردة والخشنة ونحو ذلك وتحقيق الكلام في هذا وبسطه الأولى به في غير هذا الكتاب .
وهذا العصب النوري هو لا محالة كباقي الأعصاب مغشّى بغشائين :
أحدهما من الأم الجافية ، وهو الأعلى منهما .
والآخر من الأم الرقيقة ، فيكون لا محالة كثير العروق كما في تلك الأم فإذا بلغ هذا العصب مع الغشاءين المغشيين له إلى عظم الحجاج ، وهذا العظم الذي فيه نقرة العين انبسط طرف كل واحد من ذلك وانفرش بقدر سعة تلك النقرة ثم أنضم طرفه وصار من مجموع ذلك العضو الذي يسمى المقلة .
هامش
( 1 ) د : تفاعل
( 2 ) م : ساقطة
( 3 ) ن : ساقطة
( 4 ) م : خاص