البحث الثاني في مزاج الدماغ وقوامه
قال الشيخ الرئيس رحمة اللّه عليه وقد خلق جوهر الدماغ باردا . . . إلى قوله : والجزء المؤخر أصلب .
الشرح : إن الكلام في مزاج الدماغ قد وقع هاهنا بالعرض لأن من جملة ما ينبغي الكلام فيه من التشريح هو قوام الأعضاء فالسبب « 1 » المحدث لقوام الدماغ هو مزاجه فإن الدماغ يحتاج أن يكون كثير الرطوبة جدا . بل الأولى أن يعد في جملة الرطوبات لا في الأعضاء وزيادة الرطوبة يلزمها لين القوام لأن كثرة الرطوبة إنما تكون لزيادة المائية والمائية إذا لم تكن جامدة كانت سهلة القبول للتشكل « 2 » والانفعال وذلك مما يحتاج إليه في القوام اللين بل لا يتم لين القوام إلا به .
ومراده هاهنا بالدماغ إنما هو المخ لا غير ، لأن ما سواه مما يدخل في لفظ الدماغ بالمعاني الأخر ، فإنه وإن كان باردا فليس برطب .
قوله : وأما برده قليلا يشغله كثرة ما يتأدى إليه من قوى حركات الأعضاء وانفعالات « 3 » الحواس ، وحركات الروح كل عضو خلق لفعل فإن مزاجه يجب أن يكون مما يعين على ذلك الفعل مثال ذلك القلب فإنه لما كان فعله توليد الروح الحيواني وذلك إنما يمكن بأن يكون في الحرارة بحيث يبخر « 4 » الدم الواصل إليه من الكبد حتى يصعد ذلك الدم إلى الرئة ، ويخالط ما فيها من الهواء المثبوت في جرمها فيحصل من المجموع مادة تصلح لأن يتكون منها الروح إذا حصلت تلك المادة في التجويف الأيسر من تجويفى القلب فلذلك احتيج ان يكون مزاج القلب شديد الحرارة ، وكذلك العظم لما احتيج إليه ليكون للبدن كالأساس والدعامة والدماغ « 5 » وجب ان يكون شديد الصلابة ، وانما يمكن ذلك إذا كانت الأرضية فيه كثيرة جدا ويلزم ذلك أن يكون مزاجه باردا يابسا هذا إذا كان الفعل لذلك العضو .
أما إذا كان لغيره وتأثير ذلك الفعل يصل إلى عضو آخر كان ذلك العضو ليس يجب فيه أن يكون « على مزاج يعين على ذلك الفعل بل قد يجب أن يكون » على مزاج ينافيه فعل الدماغ ، فإنه لما كان
هامش
( 1 ) ب : والسبب
( 2 ) أ : ساقطة
( 3 ) ب : والعضلات
( 4 ) أ : يهجر
( 5 ) أن ب د : ساقطة