وأمّا إذا كان الجسم الذي يحرق : بارد المزاج ، فهذا ظاهر أنّ رماده أو كلسه يكون - لا محالة - أشدّ حرارة منه ؛ لأنّ هذا الجسم لا بد وأن تكون ناريّته يسيرة ومائيّته كثيرة ، فيكون ما يذهب منه من الحرارة ، أقلّ كثيرا مما ينقص من برودته بتحلّل المائيّة ؛ فلذلك يكون بعد الاحتراق أقلّ برودة ، وإن لم يحدث فيه بالاحتراق حرارة من الناريّة . فكيف إذا حدثت له تلك الحرارة ؟
فلذلك كان رماد الأجسام الباردة حارّا بالنسبة إليها ، وكذلك كلسها . وأمّا رماد الأجسام الضعيفة الحرارة ، ففي الأكثر يكون رمادها أزيد حرارة منها وقد يكون أقلّ ، وقد يكون أكثر .
فلذلك ، الترميد ، كما أنه يعدّل قوام الأجسام كذلك أيضا ، هو معدّل لمزاجها .
وقد ترمّد الأجسام لا للتعديل المذكور ، بل إمّا لانعقاد شئ ما يراد فقدانه أو لتحصيل ما يراد حصوله ؛ أمّا الأول فكما ترمّد العقارب لأجل إزالة ما يكون فيها من الجوهر السّمّىّ الذي يحتاج إلى فقدانه في الأدوية التي تستعمل في البدن . وذلك ، لأنّ جوهر العقرب فيه جوهر سمىّ ، وهذا الجوهر إذا ورد إلى البدن ضرّه لا محالة ، فإذا احتيج إلى تناول العقرب ، وذلك كما في علاج « 1 » الحصى « 2 » ونحو ذلك ، فينبغي أن يكون ذلك بعد إزالة ما فيه من ذلك الجوهر السّمّى وهذا الجوهر هو في العقرب غير متميّز حتى يتمكّن من إزالته منه ، مع بقاء جوهر العقرب بحاله ؛ فلذلك يحتاج في « 3 » إزالة هذا الجوهر السّمّى ، إلى إحراق العقرب ليتبخّر منه ذلك الجوهر السّمّىّ ، ويتحلّل ؛ فلذلك يحرق العقرب ليفقد منه ما يراد فقدانه ، وهو ذلك الجوهر السّمّى .
وأما الثاني فكما يرمّد الحرير عند إرادتنا استعماله للتفريح ونحو ذلك ، فإنّ هذا الحرير إنما يفعل ما يراد تناوله لأجله ، وهو التفريح مثلا ، بعد أن ينفذ إلى داخل القلب ، ويمازج الرّوح التي فيه ؛ وإنما يمكن ذلك بعد تصغّر « 4 » أجزائه « 5 » جدّا حتى يكون كالهباء ، ليمكن أن يمازج الرّوح .
وهذا التصغّر فإنّ طبيعتنا ليست تقوى عليه والحرير باق « 6 » على اتصاله ، بل إنما تقوى على ذلك بعد تصغّر أجزائه تصغّرا شديدا يهيّؤه « 7 » لزيادة ذلك التصغّر .
هامش
( 1 ) مطموسة في ن .
( 2 ) ن : الخص . . والمراد بالحصى هنا : حصاة الكلى والمثانة .
( 3 ) ه ، ن : إلى .
( 4 ) ه ، ن : تصغره .
( 5 ) : . اجزاه .
( 6 ) ه ، ن : باقي .
( 7 ) ه : شديد الهيئة !