تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وهذا التصغّر ، الذي يفعل بالصناعة « 1 » ليهيّئ الحرير لفعل الطبيعة فيه ، قد يكون بأن يقرض إلى أجزاء صغار جدّا ، وذلك مما يعسر ، وقد يكون بأن يحرق فيكون رماده سهل الانسحاق ، وهذا أسهل - لا محالة - من تقريضه ؛ فلذلك يحرق الحرير فيكون رماده على حالة مطلوبة ، وهي أنه متهيّئ لأن تفعل فيه الطبيعة . فلذلك اتخاذ الرّماد قد يكون لتلطيف الجوهر الكثيف الذي يحتاج إلى استعماله ، وذلك إذا كانت كثافته مانعة من جودة فعله ، وهذا كما يرمّد السّرطان البحري في علاج العين ، وكما يرمّد قرن الإيّل ونحو ذلك . وقد يكون لإفادة الدّواء حدّة ، كما ترمّد النّورة وهي حجر ، فتصير كلسا . وقد يكون لإذهاب قوّة فيه ، كما يرمّد العقرب لإذهاب سمّيته . وقد يكون لجعله سهل الانسحاق ، كما يرمّد الحرير ليسهل سحقه . وقد يكون لتغليظ جوهر الدّواء ، كما يرمّد دردىّ الخلّ ليغلظ قليلا ، فيكون أقلّ نفوذا ، وأقلّ حدّة . ونقول : إنّ كلّ جسم يرمّد أو يكلّس ، فإنه لا بد وأن تستحيل « 2 » بعض أجزائه « 3 » بخارا ، وبعضها دخّانا ، وكلاهما « 4 » يفارقانه . وذلك لأنّ كلّ جسم يفعل به ذلك ، فإنه لا يخلو من مائيّة « 5 » أو أرضيّة ، ولا بد وأن يتصعّد من كلّ واحد من هذين شئ ما . إذ لولا ذلك ، لما كان ذلك الجسم يتغيّر تركيبه بالاحتراق ، بل كان يبقى على حاله ، فكان لا يترمّد ولا يتكلّس ، وهذا كما في الذّهب والياقوت . فلذلك ، لا بدّ وأن يكون في كلّ جسم يترمّد أو يتكلّس ، مائيّة وأرضيّة « 6 » يتصعّد من كلّ واحد منهما شئ ما ، ويفارقه ؛ فما تصعّد من مائيّته ، كان بخارا وما تصعّد من أرضيّته ، كان دخّانا . فلذلك كلّ جسم فإنه لا بد وأن يستحيل بعض أجزائه « 7 » بخارا ، وبعضها دخّانا ، وإذا قوى احتراق هذا الجسم ، قلّ ما يتصعّد منه من البخار ، وكثر ما يتصعّد منه من الدّخان . وذلك ، لأنّ المائيّة سهلة التصعّد ، فهي - لا محالة - تتصعّد « 8 » بأيسر حرارة تحدث للجسم ، فلا يشتدّ به الاحتراق ، إلا
هامش
( 1 ) مطموسة في غ . ( 2 ) غ : يستحيل . ( 3 ) : . أجزاه . ( 4 ) + ن . ( 5 ) الأوراق مختلطة في هذا الموضع من ن . ( 6 ) ن : أرضيّته . ( 7 ) غ : اجزاه . ( 8 ) ه : يتصعّد .
الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 250 | ابن النفيس