فلذلك « 1 » ، تضطر طبيعة العنب ونحوه من الثمار التي تعتصر « 2 » إلى أن تحدث في عصاراتها غليانا ينقص رطوباتها ، فتتمكّن تلك الطبيعة من حفظ تلك العصارة ، على طبيعة النوع الذي له تلك العصارة ؛ وذلك بإجادة تصرّف الحرارة فيها ، أعنى الحرارة الغريزيّة .
ولذلك ، إذا قلّلت رطوبات العصارات بالطبخ أو بالتشميس ونحوهما ، أو زيد في حرارتها الغريزيّة ، كما يفعل في عصير العنب بأن يجعل فيه شئ من الخردل أو من أصول الكبر فإنّ تلك العصارة تبقى فلا تفسد ، ولا يحصل لها غليان ونحوه ، فهذا هو سبب حدوث الغليان لعصارة العنب حتى تصير خلّا .
ولقائل أن يقول : إنكم قلتم أولا أنّ طبيعة العنب لا سبيل لها إلى إحداث حرارة تزيد في حرارة العصير ، فكيف سيتم الآن هذا ؛ وقلتم إنها تحدث في العصير حرارة توجب تلطّف رطوباته وتصعّدها بخارا ، وبذلك يحدث لهذا العصير الغليان « 3 » !
والجواب عن هذا : أن الحرارة التي يتعذّر على الطبيعة إحداثها ؛ هي الحرارة الغريزيّة ، وهي التي يكون تصرّفها ( في الرّطوبات تصرّفا ) « 4 » غريزيّا ، فإنّ هذه الحرارة إنما يمكن حدوثها « 5 » في أول الكون « 6 » . وأما بعد تحقّق المزاج ، وحصول الصور النوعيّة ؛ فإنّ ذلك غير ممكن ، وإلّا أمكن تغيّر أمزجة الأنواع ، فأمكن تغيّر صورها النوعيّة ، فكان يمكن « 7 » جعل الإنسان فرسا « 8 » ونحو ذلك ؛ لأنّ كلّ نوع فإنه إنما يتحقّق بالمزاج الذي يخصه ، فإذا أمكن تغيّر ذلك المزاج ، أمكن نقل الأجسام من « 9 » نوع إلى آخر ، فكان تمكّن الإنسان من جعل الفرس حمارا والبغل جملا ، ونحو ذلك .
ولما كان هذا محال « 10 » ، علمنا أنّ تغيّر « 11 » الأمزجة الأصليّة : محال .
هامش
( 1 ) مطموسة في غ .
( 2 ) مطموسة في غ ، ن : تقتصر .
( 3 ) ه ، ن : غليانا .
( 4 ) ما بين القوسين ساقط من ه ، ن .
( 5 ) غ : حدووثها .
( 6 ) هكذا وردت الكلمة في المخطوطات الثلاث . والأصوب : التكوّن .
( 7 ) ه ، ن : فيمكن .
( 8 ) ن : قريبا .
( 9 ) - ن .
( 10 ) ن : محالا .
( 11 ) ن : نغير .