« ركب الاخشيد ، ثم قال لي : ارجع فقل لهم يصلحون المائدة ، ويكون أول ما يقدمونه حماضية « 1 » قال كافور : فجئت إلى صاحب المائدة فقلت له : أول ما تقدم حماضية . فقال : واللّه ما أصلحت حماضية . فقلت : انا للّه عز وجل . فقال : كم عليك وأصلح لك الساعة حماضية ؟ قلت : مائة دينار . قال فاجمع لي كل أترج عندك .
فجمعناه ، واستخرج الحماض فألقاه في الحصرمية ، وطرح فيها ماء الورد والمسك والأفاوية ، فلما جاء الإخشيد قدمتها اليه ، فأكل منها وأكثر . وقال : طيّبة واللّه ! فقلت : هي واللّه تقوم على مائة دينار ، ردّها . فردّها . فأعطاها غلاما ، وقال له : ادفعها إلى الطواف « 2 » الذي يطالبنا .
قال « 3 » : « فقلت للاخشيد : فأنت أخذت المائة « 4 » » .
لا ندري مدى صحة هاتين الرواتين فيما يتعلق بطعام الاخشيد ، ثم ما كان من الحظوة التي لقيها كافور عند سيده ، وكيف استطاع أن يحظى برضائه وأنسه ودعابته ودعائه له أن يخلفه على حكم مصر ، فيجلس مجلسه ، ويأخذ ماله ، لقاء ما لقي الاخشيد من لذة وسرور عندما قدمت له « البقرّية والحماضيّة » . ثم تلك الكلفة التي رفعت بين الاخشيد وغلامه كافور حتى اتهمه كافور ممازحا انه هو الذي أخذ المائة دينار .
على أنه مهما بلغ من صحة هاتين وعدمها فإن هذا دليل واضح على اهتمام الخلفاء والأمراء في مصر وغيرها بشهواتهم ولذاتهم ولا سيما فيما يتعلق بطيب المأكل والمشرب . كما تعبر هاتان الروايتان عن ذكاء كافور الذي عرف طريق « الوصلة إلى الاخشيد » ليس عن طريق « وصف الطيبات والطيب » وإنما بتقديمها واصلاحها وتطييبها بالمسك والأفاوية وماء الورد .
هامش
( 1 ) الحماضية : لون من ألوان الطعام تعمل من الحماض الذي يستخرج من الأترج ، وهو نوع من البرتقال ويلقى في الحصرمية ، وهو العنب الذي لم ينضج بعد ، ثم يلقى عليه ماء الورد والأفاوية .
( 2 ) في الأصل « إلى الطوائف » والسياق يقتضي ما دون .
( 3 ) القول هنا لكافور ، وقد قالها مازحا كما يبدو .
( 4 ) المغرب في حلى المغرب : ص 31 .