الشيخوخة تأتى عند ضياع هذه الرطوبة وبصفة خاصة عند ضياع الرطوبة التي تنشأ من النطفة .
وقد ترعرعت هذه النظرية خلال القرون الوسطى وفي عهد النهضة الأوروبية وتشعبت فاتخذت أشكالا متباينة تبعا لنزعات الأطباء والفلاسفة ومذاهبهم المختلفة . ومنها نستطيع تقدير أهمية ضياع الرطوبة عند المصابين بديابيطس في نظر هؤلاء الأطباء .
وقد اغفل ابن سينا طعم البول السكرى الذي عرفه الهنود والصينيون قبله بقرون ، لاستنكاره تذوقه ، فقد قال في طرق اختبار البول : « ومن الناس من يدخل في هذه الأجناس جنس اللمس وجنس الطعم ونحن أسقطناها تفردا وتنفرا من ذلك » هذا وقد ذكر الحلاوة دون ربطها بالطعم أو بمرض البول السكرى حيث قال ( في الفصل الرابع من الجملة الثانية من التعليم الثالث من الفن الثاني من الكتاب الأول ، في دلائل رائحة البول ) : « والرائحة الضاربة إلى الحلاوة تدل على غلبة الدم » ، وهو يعنى المزاج الدموي الناتج عن غلبة خلط الدم ، إذ أنه أسند في سياق الكلام الرائحة المنتنة إلى الصفراوية ، والمنتنة إلى حموضة إلى السوداوية ، الخ .
وإذا استثنينا الأسباب المحلية المسببة لتواتر التبول - وهو يختلف عن الإدرار الصحيح - وجدنا البغدادي يرد هذا المرض إلى الأسباب التقليدية التي سادت الفكر الطبى منذ عهد الإغريق ، وهي : نارية تجتذب الرطوبة ، اتساع مجارى الكلا ، ضعف القوى القابضة ، استرخاء عضلة عنق المثانة ، وتشبيه إدرار البول بزلق الأمعاء ، فأدى هذا التفكير بالأطباء إلى وصف المواد المرطبة والحمامات والكمادات الباردة وماء الثلج لإزالة الحرارة ، والأدوية القابضة ، من جهة لقبض المجارى المتسعة وتقوية عضلة عنق المثانة ، ومن جهة أخرى لأقلال الإدرار قياسا على ما تفعله هذه الأدوية في الأمعاء ، ووصف الأغذية الخشنة أو الغروية للإقلال من المائية والرطوبة في الجسم وفي الدم ، وبالتالي للإقلال من مائية البول .
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 156
مساهمون: سعيد عبده
ص١٥٦