وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نشير إلى معنى « الرطوبة » عند القدامى « 1 » ، فقد ظهرت منذ عهد فلاسفة الإغريق الأيونيين الأوائل مجموعة نظريات فحواها أن الحياة مرتبطة بتوافر ثلاثة عناصر هي : الماء ، والنار ، وعنصر ثالث مركب من الماء والنار ، وأن الماء هو الجوهر الأول لكل الأحياء ( وجعلنا من الماء كل شئ حىّ ) . وكان هراكليتس الملطى يتصور تيارين عكسيين يجريان في الجسم ، أحدهما يرفع الماء إلى النار ، والآخر ينزل بالنار إلى الماء . وأكد أرسطو أن الحرارة تنشأ عن الرطوبة وتستمد منها صفة الاستمرار .
وعبر جالينوس عن رأيه بأن الحرارة رطبة بالإضافة إلى كونها حارة ، وأضاف أن الغذاء موجود في الجسم على شكل ثلاث رطوبات متسلسلة :
أولاها في الدم ، ثانيتها في المجال الخارج عن الأنسجة ، وثالثتها داخل الأنسجة .
وأضاف ابن سينا إلى هذه الرطوبات الثلاث رطوبة رابعة ، إذ قال إن الرطوبة من نوعين : الأول تشكله الأخلاط الأربعة ، والثاني يشمل الفضول وغير الفضول ، وهذا الأخير ينفذ إلى الأعضاء من الغذاء ، وهو مكون من :
الرطوبة المحصورة في تجاويف العروق الصغيرة ، ورطوبة ثانية منبثة في الأعضاء ، وهي معدّة للتحول إلى غذاء إذا فقد البدن الغذاء ، وثالثة حديثة الانعقاد ومتحولة إلى جوهر الأعضاء ، أما الرطوبة الرابعة ( وهي التي أضافها ابن سينا وأشار سرابيون من قبله إليها ) فمبدؤها من النطفة ، والنطفة من الأخلاط ( القانون - الجزء الأول ، الفن الأول ، التعليم الرابع في الأخلاط ، الفصل الأول ) .
ويبدو من هذه النصوص ومن غيرها أن « الرطوبة » كانت تفهم على أنها جوهر أساسي يتخلل الجسم عامة ، ويحيى أنسجته ، ويصل بين أجزائه ، وأن
هامش
( 1 ) انظر مقال هول : -Hall , T . S . , Life , Death , and the radical moisture , 1971 , Clio Medica , Vol . 6 , No . 1 , pp . 3 - 18 .وجالينوس ( مرجعنا رقم 25 ، ص 50 - 53 ) ، وسيجل ( مرجعنا رقم 31 ص 164 - - 168 ) .