الأمراض المعتادة ، هي الأدوية ؛ والتي تعينها بما فيها من القوى الشافية للسموم ، هي الأدوية الشافية لها ، أعني ، الأدوية التي تسمّى مقاومة للسموم .
والترياق ، كما قلنا ، لمّا كان معينا للحرارة الغريزية الفاعلة في السموم ، كان معينا لها في القوى التي تفعل الشفاء من الأمراض المضاهية للسموم . وبهذا الوجه ، أيضا ، تحفظ الصحة المستعدة لحدوث الأمراض ، الصعبة فيها . فالترياق ، من هذه الجهة ، شبيه بالحرارة الغريزية ، من جهة أنه واحد بالموضوع كثير / / بالقوى ، كما أن الحرارة الغريزية واحدة بالموضوع كثيرة بالقوى . فهو لا شكّ دواء في غاية الفضيلة ، في الشفاء ؛ لكن ، في أحوال محدودة ، وأوقات معلومة .
وإذ قد سرنا إلى هذا الموضع ، فلم يبق علينا مما قصدنا للتكلم ، ما لم يتكلم فيه أحد قبلنا ، ممّن علمناه ، وإن كان كلامنا فيه مبنيا على أصول من تقدّمنا . ولذلك ، كان الفضل لهم ، على كل من أتي بعدهم ، إلا الكلام في مقادير الشربات .
وهذه المقادير ، إنما استنبطت ، أولا ، بالقياس ؛ ثم صححت ، أخيرا ، بالتجربة ؛ كما عرض ذلك في تركيب هذا الدواء وغيره من الأدوية الشريفة ، أعني ، أنه ركب ، أولا ، بالقياس ؛ وصحّح ، أخيرا ، بالتجربة . ولذلك ، كل دواء مركب بالقياس يستعمل قبل التجربة ، ففيه نقص .
ولذلك ، ما ينبغي ، إذا ركب دواء بالقياس ، إلى من يهتمّ بأمره أن يصحح ، أولا ، بالتجربة في غيره . ثم يستعمل فيه ، إذا حمد بالتجربة ، وصحّ منه الغرض الذي قصد اتّخاذه منه بالقياس ، أعني ، المنفعة المقصودة .
فالقياس ، كما قلنا ، الذي حرّك القدماء إلى تقدير كمية ما يسقى من الترياق ، هو بعينه القياس الذي حرّكهم إلى تقدير الأدوية في الكمية والكيفية . فقالوا : « دواء كذا في درجة كذا ، ويسقى منه مقدار كذا » .
وهو أنهم علموا أن قوة الدواء يجب أن تكون غالبة لقوة الدواء « 51 » ، من غير أن تؤثر في البدن أثرا شبيها بها ، أعني ، خارجا عن الطبع . فتكون مع إزالتها المرض ، تحدث مرضا آخر ؛ فوجب تقدير الأدوية في مرض مرض ، بحسب قوة المرض والمريض ، وبحسب المزاج والسن والبلد والعضو الذي فيه المرض ، إن كان المرض مخصوصا بعضو ما ؛ وكلما كان الدواء أقوى ، كانت المضادّة فيه لبدن الانسان أكثر ، إذ كل دواء ، فهو مضادّ لبدن الانسان ؛ وإنما هو نافع لبدن الإنسان بما هو دواء ، إذا كان في بدن الإنسان مرض مضادّ له .
هامش
( 51 ) المرضCreemos que hay que leer .