المسمّى استحالة ، والمحيل نفسه من جهة ما هو محيل ، وكانت الاستحالة ليست جمعا ولا تفريقا ، والمحيل ليس جامعا ولا مفرقا ، إلا بالعرض ؛ فواجب ألا تدرك محسوساتها من جهة الجمع والتفريق ، أعني ، أنه لا يحسّ نفس الجمع والتفريق . وإن كانا إذا أفرطا مفسدين ، / / لأن فسادهما إنما هو بالعرض . وشيء إما موطىء الاستحالة ، وإما تابع لها . وكذلك ، إن كان من المحسوسات للحواس جمع وتفريق ، فذلك بالعرض ، لا من جهة ما هي محسوسات .
وهذا كله بين لمن زاول العلوم الطبيعية . ولذلك ، إن كان الفساد تابعا للاستحالة التي في الجوهر ، وكان الوجع طريقا إلى الفساد ؛ فواجب أن يكون حدّ الوجع أنه الإدراك للاستحالة التي يكون مصيرها إلى الفساد وتفرق الاتّصال ، هو معنى يوجد في غير الحسّاس وفي الحسّاس . والفرق بينهما أن الغير الحسّاس لا يدرك نفس التفرق ، والحسّاس يدرك نفس التفرق . لكنه من المحسوسات المشتركة ، وليس تلحق عنه لذة ولا أذي .
لكن ، لمّا كان لا تفارقه الاستحالة ، التي هي طريق إلى الفساد ، ظنّ به أنه هو الطريق إلى الفساد . وإن الحواسّ إنما تدرك مصيرها إلى الفساد ، من قبل إدراكها للتفرق نفسه . ولو تعرى التفرق من الاستحالة ، لما كان عنه وجع أصلا .
وجالينوس يسلم هذا في كتابه في « الأسطقسات » ، حيث يقول : « إنه لو كانت الأجزاء التي تركب منها الجسم لا تحسّ ، لكان تفرقها بالإبرة لا يوجب حسبا » .
فلكون الاستحالة يلزمها التفرق ، والتفرق تلزمه الاستحالة أشكل الأمر .
فظنّ جالينوس فيما هو سبب ، بالعرض ، أنه سبب بالذات . وقد بيّن ذلك بيانا تاما من أن الاجتماع والتفرق في باب المضاف ، والاستحالة في باب الكيفية . فلو كان التفرق والاجتماع معنى بذاته ، لكانت الإضافة معدودة في الكيفيات الفاعلة ، التي بها كانت الأسطقسات أسطقسات . ولكن ، إذا كان ما بالعرض دائما ملازما ، بالذات ، كان شديد التغليظ جدا . فالذي ينبغي أن يقال ، أنه كما أن الاستحالة تكون عن الحرارة ضدّ الاستحالة التي تكون عن البرود ، كذلك الاستحالة التي تكون للبصر من اللون الأبيض ، هي ضدّ الاستحالة التي تكون من الأسود .
وإن المحسوسات ضربان : ضرب فاعلة استحالة فيما يحسّ وفيما لا يحسّ ، وهي الملموسات . وضرب فاعلة استحالة في الحواس ، وهي الألوان في البصر والأصوات في الأذن ؛ وما يلحق ذلك للأذن أو الدماغ ، من جهة ما هي حاسة لامسة قبل يعرض ، مثل أن تسخن أو يتفرق اتصاله ، أو يموت السامع .
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس — صفحة 229
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٢٩