( 6 ) وأما انتقال الكون في الأمور الطبيعية ، فهو على ما جعل اللّه تعالى في طباعها من النظام والتلازم ، وبين تلك الأشياء المنتظمة ، التي ينتقل عليها الكون ، لا بأن الطبيعة تدرك ، ما تنتقل عليه من النظام ، بل ذلك النظام ، واللزوم ، هو في جواهر تلك الأشياء . ولذلك وجود الطبيعة أدل دليل ، على أن هاهنا عالما متقدما عليها ، سبحانه ، هو أفادها ذلك النظام . إلا أن بين الفعلين فرقا ، وذلك أن في الأمور الصناعية ، الصانع ، هو الذي يباشر الفعل بنفسه ، في كل واحد من تلك الأشياء المنتظمة ، وينتقل بالفعل من واحد واحد منها إلى الآخر ، حتى يكمل مصنوعة . وأما في الأمور الطبيعية ، فالأشياء الطبيعية هي التي تتحرك من ذاتها ، بما جعل اللّه تعالى فيها من القوى الطبيعية ، بعد أن يفيدها مفيد مبدأ الحركة من خارج . ثم تنتقل الحركة إليها من شئ إلى شئ ، على جهة اللزوم ، حتى يكمل ذلك الموجود الطبيعي .
( 7 ) والحكيم يشبه الطبيعة بالأشياء العجبية التي يستنبطها العقل ، وهي الأشياء التي يفيدها الصانع نظاما وترتيبا . فإذا أفادها مع ذلك مفيد مبدأ حركة من خارج ، تحركت هي من ذاتها ، على جهة التلازم ، إلى الغاية التي قدر لها ، مثل حبالة الصائد ، وغير ذلك من الأمور العجيبة ، التي يستنبطها العقل . وإذا كان العقل الإنسانىّ يقدر على أشياء مثل هذه الأشياء العجيبة ، فالقوة الإلهية أحرى بذلك .
( 8 ) ولما كان البرء ، وبالجملة الأمور الصحية ، قد تكون عن الطبيعة ، كان واجبا أن تكون الحال في كونهما واحدا . أعنى ، أن يكون الانتقال فيها على نحو واحد ، أي من مبدأ محدود إلى مبدأ محدود ، وعلى نظام محدود . وإذا
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 418
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٤١٨