يكون بأن يخرج من العين شئ إلى المرئى . وأما على مذهب أرسطو ، فليس يصح هذا التعليل ، فلننظر في ذلك على مذهبه . فنقول : لما كان اللون هو المحرك للبصر من جهة ما هو جزء من الضوء ، والبصر هو المتحرك عنه ؛ كان الفساد الداخل عليه إما من قبل ضعف المحرك ، أو إفراط قوته ، أو من قبل عسر القابل ، أو عدم قبوله . وكذلك لم يكن أي لون اتفق يحرك بصرا اتفق ، ولا على أي بعد اتفق ، ولا بتوسط أي ضوء اتفق . مثال ذلك أن الضوء الذي يرى به الخفاش ، وهو الذي يحرك بصره ، هو غير محرك لبصر الإنسان ، والذي يحرك بصر الإنسان هو غير محرك لنظر الخفاش ، بالإضافة إليه . وإذا كان هذا هكذا ، فالأبصار الطبيعية وهي التي تبصر على مقادير من القرب والبعد ، محدودة الكيفية . فالبصر الذي يرى من قريب ، وليس يرى من بعيد ، هو أعسر قبولا من البصر الذي بالطبع ، والذي يرى من بعيد ولا يرى من قريب . فإن المحرك القريب منه شديد التحريك له ، فيضعف بصره عنه ، والبعيد ليس يعرض له معه هذا العارض ، فهو يبصر البعيد ، ولا يبصر القريب . ولكون الروح في الشيوخ ضعيفا ، كان هذا أكثر ما يعرض للشيوخ .
( 94 ) ولكون الجهر للعيون الرطوبة غالبة عليهم ، حركهم اللون القريب ، ولم يحركهم البعيد ، ولأن أعينهم بارزة يتبدّد عليهم تحريك المبصر ، أي لا تنضم الخطوط الشعاعية فيه إلى زاوية حادة عندما يحرك المبصر أعينهم ، بخلاف غائرى الأعين .
( 95 ) ولذلك كان الغائر العين ، يبصر من بعد ، والحال في هذا كالحال في الشعاع ، وسبب هذا معروف في التعاليم .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 336
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٣٦