148 - فهذا هو القول في القروح الحادثة في اللحم في ظاهر البدن أو في باطنه خلوا من سوء مزاج ، وأما سوء المزاج إذا تركب مع القرحة فإنه يتنزل منها منزلة السبب الذي ليس يمكن أن تبرأ القرحة حتى يرتفع . وكذلك إن كان معه تورم .
وقد عرفت معالجة سوء المزاج مما سلف . لكن على كل حال فينبغي أن نذكر به هاهنا إذكارا فنقول : إن سوء المزاج الحادث بالقرحة لا يخلو أن يكون من قبل الدم الواصل إليها . وذلك إذا كان خارجا في كيفيته أو كميته أو كليهما . وإما أن يكون في نفس القرحة فقط .
وإما أن يجمع الأمران جميعا . فإن كان ذلك من قبل الدم الواصل إليها فينبغي أن نتأمل هل الفاعل لذلك الدم الواصل إليها رداءة أخلاط جملة البدن أو كثرتها أو كلاهما .
فإن كان ذلك فالاستفراغ العام . وإن كانت الكثرة مجردة فالاستفراغ بالفصد .
وإن كانت الرداءة فالاستفراغ بالدواء المسهل . وقد عرفت المواضع التي تستحق استفراغا استفراغا من هذه الاستفراغات فلا معنى لإعادتها . وربما كان الفاعل لذلك عضوا واحدا من أعضاء البدن فينبغي حينئذ أن نجتهد في استفراغه .
وربما كان ذلك العضو مئوفا مثل أن تكون به دوالي أو غير ذلك وحينئذ ينبغي أن تشتد عنايتنا بتنقية البدن . وبالجملة فنحتال في ردع تلك المادة عن ذلك العضو المقرح بجميع وجوه الردع التي ذكرناها فيما سلف : من تقوية العضو وجذب المادة إلى خلاف الجهة .
وأما إن كان سوء المزاج في القرحة نفسها فقد ينبغي أن نعنى به ونقلعه ، مثل إن كانت القرحة يابسة رطبناها بالماء السخن ، وإن كانت رطبة جعلنا الأدوية المنبتة فيها أجف ما ينبغي . وكذلك نفعل إن كانت حارة أو باردة . وإن كان اللحم الذي في القرحة قد صلب حتى تثألل ، فينبغي حينئذ أن تقطعه بالحديد ثم تضع عليه الدواء المنبت .
وأما الورم فلا سبيل أيضا إلى إشفاء القرحة دون شفائه وإن كانت الأدوية الشافية له تضاد علاج القرحة . وإن اجتمع الأمران في القرحة عنينا بهما جميعا : أعني فساد الدم الواصل إليها وسوء المزاج الحادث بها .
وأظنك ليس يخفى عليك بعد هذا ما السبب في أن لا تبرأ القرحة ، فإنه لا خلو أن يكون ذلك إما من قبل الأدوية المستعملة فيها إذا كانت غير موافقة ، وإما من قبل أن المادة التي تصل إليها غير ملائمة .
وإما من قبل أن الطبيعة التي في العضو قد اختل فعلها لغلبة صنف من أصناف سوء
الكليات في الطب — صفحة 448
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٤٤٨