تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكليات في الطب — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وقد شرب قوم ماء باردا دفعة فأصابهم على المكان ضيق تنفس لبرد العصب المحرك للحجاب ، وآخرون امتنعوا من الازدراد . وأما متى شرب ، والطبعية قد أنضجت الخلط ، فإنه يكون في ذلك الوقت عونا صالحا للطبيعة لأنه ليس هنالك مرض إلا سوء المزاج الحار ، فإذا أبطله الماء البارد وقلع عنها سوء ذلك المزاج فعلت الطبيعة حينئذ في ذلك الخلط أتم أفعالها من تتميم نضجه ودفع ما شأنه أن يندفع ، وذلك أن سوء المزاج على كل حال كان عائقا لها . ولذلك تنطلق بطون من هذه صفته إذا شربوا الماء البارد بمرار أو يتقيئونه . 54 - فهذا كله هو معنى قول جالينوس في سقي الماء البارد . وأنت فينبغي لك أن تعلم أن لهذه الحميات في قلة الحرارة وكثرتها عرضا كبيرا ، ولذلك خصت الكثيرة الحرارة منها باسم المحرقة وأن هذا يختلف بحسب الأقاليم والبلدان اختلافا كثيرا . فرب حمى محرقة في بلد حار ومع سن الشباب والفصل الحار والتدبير الحار . إن لم يبادر في أول الأمر إلى سقي الماء البارد ، إما أن يحترق العليل قبل أن يظهر النضج فيموت وإما إن كان في قوته محتمل إلى ظهور النضج فيكون النضج نضجا خبيثا ويكون حينئذ لا معنى لسقيهم الماء البارد إذ قد فات الأمر فيهم ، مثل الغمامة السوداء الظاهرة في البول وأكثر من ذلك الثفل الراسب الأسود . فلذلك : الأولى والأحزم في هذه الصناعة أن يبادر لمن هذه حاله بسقيه الماء البارد من أول الأمر وإن لم يظهر نضج . فإن المادة الفاعلة لمثل هذه الحمى التي هي في غاية الحرارة ليس العائق لها عن النضج شيئا غير الكيفية ، لا غلظ ولا لزوجة . فعند ما تبرد تلك الكيفية ينضج المرض على الحين . وأيضا فإن الأولى في من هذا شأنه أن تقلب حماه إلى حمى لينة كثيرة الأيام فيتمكن من معالجتها من أن يموت على الحين . وإنما يعتري هذا إذا كان الخلط فيه غلظ ما وأفرطت في التبريد . وبالجملة فالخطأ الواقع في تبديل مزاج الحمى أخف من الموت . وهذا الفعل من أفعال هذه الصناعة هو أشرف أفعالها أعني التخليص من الموت . 55 - وأما أصحاب الحميات الذين ينتظر بسقيهم الماء البارد ظهور النضج المحمود فأظنهم لو خلوا وطبائعهم لبرئوا . لكن في زمان طويل ومع مشقة كبيرة : فليس فعل هذه الصناعة في هذه الحال غير التسهيل وعون الطبيعة ، وهو من قلة الشرف بالإضافة إلى الأول بحيث ترى ذلك . وقد حكى الرازي أن فتيين كانا سافرا في زمن شديد الحر وكان أحدهما مولى
الكليات في الطب — صفحة 396 | أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد) / أحمد فريد المزيدي