والآخر عبدا له . فحم كل واحد منهما حمى محرقة في غاية الإحراق .
فتشوغل بالمولى عن العبد بسقيه الماء البارد ولم يسق العبد فنجا المولى وهلك العبد . وبلادنا هذه هي في الحر والبرد متوسطة بين بلاد جالينوس وبلاد الرازي .
ولكن على حال بلادنا هذه البطاحية تعرض فيها مثل هذه الحميات كثيرا . وقد خرجنا عما قصدنا له ، فإن القول في مداواة هذه الحمى هو جزء من القول في مداواة حمى العفونة فينبغي أولا أن نخبر بالعلاج المشترك لهما ثم نردف بالعلاج الخاص بصنف صنف من أصناف الحميات ، فنقول :
56 - إن هذه الحميات من حيث هي سوء مزاج مادي فالغرض فيها أولا غرضان :
إبطال سوء المزاج واستفراغ المادة . ولأن المادة هاهنا مع حرارة عفونية فقد يلحق أيضا هاهنا غرض ثالث وهو إبطال الأسباب المعينة على العفونة في الأبدان ، وتلك هي قلة التنفس من انسداد المسام ، وانسداد المسام يعرض لها إما من قبل أشياء قابضة أو باردة أو ميبسة . وقد يعرض انسداد المسام من الأخلاط . وذلك أيضا إما بكثرتها وإما بغلظها ، وإما بلزوجتها .
وقد تجتمع هذه كلها . فالغرض الثالث إذن من أغراض مداواة الحميات هو أن يرفع كل واحد من هذه بما يقابلها ، فإن العفونة ليس سبيل إلى ارتفاعها ولا إلى منع تزيدها إلا برفع جميع هذه أو ما كان منها موجودا في بدن المحموم مع استفراغ المادة . فإذا كان ذلك كذلك فكثيرا ما تتضاد استدلالات هذه الأعراض في العلاج وبخاصة إذا طرأ هنالك عرض مضاد للاستدلال على مداواة الحمى .
لكن متى كان الأمر هكذا أعني : أن يتضاد الاستدلال المأخوذ من نفس الحمى ومن أسبابها ومن أعراضها فينبغي للطبيب إن لم ترهقه الحمى ولا العرض أن يعنى أولا بقلع السبب .
فإن بذلك تنقلع الحمى مثل حمى السوداء . وإن أرهقته فينبغي أيضا أن يصرف العناية إليها مع أن لا يغفل أمر السبب . كالحال في حمى الصفراء الخالصة إلا أن تكون الحمى من العظم بحيث لا يلتفت مع ذلك لسببها كالحميات المحرقة .
وربما كان الاهتمام بهما على السواء فحينئذ ينبغي أن يمزج الأمران كلاهما .
وهكذا حال العرض مع الحمى . والسبب ، أعني أنه إذا أرهق أمره . اشتغل به ، وإن كان ذلك زائدا في الحمى وفي سببها مثل الغشي العارض في الحميات .
57 - ونحن إنما نذكر أولا من الحميات ما ليس فيها أعراض مانعة من علاجها ثم
الكليات في الطب — صفحة 397
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٩٧