فلذلك لا ينبغي أن يخلو مثل هذا المركب من قليل مصطكى وسنبل أو يسير من عود الطيب ، وشرب ماء الشعير أيضا لهؤلاء في زمان الصيف تدبير جيد . بعد أن يكون فيه أيضا بعض ما يكسر من إخلاله بفم المعدة .
38 - وينبغي لأصحاب الأمزجة اليابسة أن يعنوا أكثر ذلك بترطيب أبدانهم ، فإن الشيخوخة تسرع إليهم . وذلك يكون بالأغذية الرطبة المحمودة الكيموس كتفايا إناث الدجاج وبالاستحمام بالمياه العذبة المعتدلة في الحر والبرد .
وينبغي أن يتجنب أصحاب هذه الأمزجة السهر والأعراض النفسانية التي تكسب الأبدان حرارة مثل الغضب وغير ذلك . ويستعملون ما يطرب ويبسط أخلاقهم . ولتكن الأشياء التي يتعمدون لقاءها من خارج مضادة لأمزجتهم مثل الأهوية المعدلة في زمان الحر بورق الخلاف والريحان وورق الكرم والمياه الباردة ، وأن تكون فروشهم وثيابهم في غاية اللدونة والوثارة وسماع الألحان المرحية أوفق شيء لهذه الأمزجة ، أعني الحارة اليابسة .
39 - وأما الأمزجة الحارة الرطبة فأصحابها تعتريهم أمراض العفونة وسيلان الفضول ، وبخاصة في سن الحداثة .
فلذلك ينبغي لهؤلاء أن يستعملوا من الرياضة القوية السريعة ، ومن الدلك الكثير الصلب ، ويستحموا قبل أخذ غذائهم مرتين وثلاثا .
وبالجملة فينبغي أن يعنوا بأمر معدهم ، فإنه متى استحالت الأطعمة في المعدة كانت سببا لاستحالة الأخلاط في جميع البدن ، وأما أغذيتهم فيجب أن تكون مائلة إلى البرد واليبس .
وليس هذا المزاج هو المزاج المعتدل كما يظن ذلك جالينوس والقدماء ، حين قالوا إن المزاج الطبيعي هو الحار الرطب . وذلك أن المزاج الطبيعي إذا قيس من حيث هو وسط بالأطراف قيل فيه إنه معتدل ، وأعني بالأطراف الأمزجة الثمانية .
وإذا قيس بحسب غلبة الأسطقسات فيه قيل إنه حار رطب بمعنى أن الحرارة والرطوبة فيه أغلب من البرودة واليبس . وأما هذا المزاج الذي نقول فيه هاهنا حار رطب فهو بالمقايسة إلى المعتدل . فقولنا إذن في المعتدل إنه حار رطب ، وفي هذا المزاج حار رطب ، هو باشتراط الاسم .
وجالينوس يأخذ أن الطبيعي هو المزاج الذي يقال بالمقايسة إلى الأطراف والحار الرطب هو الذي يقال بالإضافة إلى المعتدل ، فيلزمهم المزاج هاهنا معتدل . وقد خرجنا عما كنا بسبيله فلنرجع إلى حيث كنا فنقول :
الكليات في الطب — صفحة 362
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٦٢