وذلك أن أمثال هذه الأمزجة ليست واقفة بل هي متحركة إلى سوء المزاج المرضي ، فلذلك ليس يقصد من تدبيرها بالغذاء منها حفظ فقط ، بل وإبطال ما يحدث فيها من الاستعداد . ولهذا كله ما ينبغي أن تكون أغذيتهم فيها مضادة يسيرة لذلك المزاج .
37 - ومع هذا كله فليس ينبغي أن يكتفى في حفظهم بهذا التدبير دون أن تستفرغ منهم الأخلاط التي يفعلها ذلك المزاج الغالب عليهم ، فيستفرغ من أصحاب المزاج الحار المرة الصفراء بالإسهال والقيء . ويتحرى في استعمال ذلك بحسب كثرة تولد هذا الفضل في ذلك البدن . ويقصد أيضا في استفراغه الجهة التي جرت عادة الطباع من ذلك أن تستفرغ منه : إن بالقيء فبالقيء وإن بالإسهال فبالإسهال . والإسهال أحمد ، لأنه استفراغ على مجرى الطبع أكثر .
وأظن أن من يتدبر هذا التدبير من أصحاب الأمزجة الحارة فقط أو الحارة اليابسة فسيكتفون في استفراغ المرة الصفراء بالأدوية المستفرغة لها برفق مثل التمر الهندي والبنفسج والأهليلج الأصفر واللبلاب وغير ذلك من الأدوية الملينة .
ومهما كان هذا المزاج الغالب عليه الحرارة واليبس كان تولد الأبخرة الدخانية فيه كثيرا ، فهو أحوج إلى دخول الحمام ، وإلا أصابتهم حمى يوم من ساعتهم . وكذلك متى صابروا الجوع .
ويصلح لهؤلاء في بعض الأحيان أن يستعملوا الاستحمام بعد الطعام ، فإن هذا يخصب أبدانهم . لكن من كان منهم يصيبه في استعمال ذلك ثقل على جنبه الأيمن فينبغي أن يتجنبه ، ويستعمل الأشياء المفتحة لسدد الكبد . وأما شرب الأنبذة لهؤلاء فينبغي أن يقللوا منه ، وإن استعملوها فليستعملوا النبيذ الأبيض المائي .
وبالجملة فتدبير أصحاب الأمزجة الحارة اليابسة وأصحاب الأمزجة الحارة فقط إنما يختلفان في آخر الأمر بالأقل والأكثر ، لأن الحرارة في آخر الأمر لا بد أن تقترن بها يبوسة ، وشرب شراب السكنجبين السكري في زمان الصيف المعمول ببعض البزور والحشائش التي فيها قوة مفتحة مدرة من غير إسخان مثل بزر السريس والبرشاوشان وبزر الكرفس مكسورا قوته الأولى بمثله من بزر البطيخ مع ما يحجب من يبس هذه الأدوية ويكسر من حرها مثل عود السوس وزهر البنفسج وزهر النيلوفر تدبير جيد في الحر يمانع حدوث الحميات في هذه الأمزجة .
وينبغي أن يكون فيه مع هذا ما يقوي فم المعدة ، فإن الخل بما هو خل مضر بفم المعدة .
الكليات في الطب — صفحة 361
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٦١