أعضائه الأصلية . وحفظ صحة هؤلاء بالجملة هو أقرب أن يكون داخلا في إبطال الاستعدادات المرضية من أن يكون داخلا في باب الحفظ ، وبخاصة الذين أعضاؤهم الرئيسية متشتتة المزاج .
وكأن هذا النوع من الحفظ متوسط بين حفظ الأبدان غير المذمومة وبين إبطال الاستعدادات المرضية ، وهي الأبدان التي تظهر فيها علامة واحدة أو أكثر من علامة واحدة من العلامات التي قلنا إنها تنذر في الصحة بأمراض ستحدث .
وسنقول في هذا الجزء فيما بعد . فلنبدأ من القول في تدبير أصحاب سوء المزاج غير المركب . ومن هؤلاء في أصحاب الأمزجة الحارة فقط ، فنقول :
35 - إن هؤلاء في أول أمرهم ليس يظهر في مزاجهم كبير اختلال ، فإذا تمادى بهم السن ارتدف إلى الحرارة يبس ضرورة ، فغلب على أبدانهم تولد المرة الصفراء ، فلذلك ما ينبغي أن تكون رياضة هذا الصنف رياضة ساكنة بالمشي الرفيق أو بالركوب الرفيق . فإن الأبدان الحارة كما يقول أبقراط ينبغي أن تراح ولا تراض .
إلا أن هذا القول إنما ينبغي أن يفهم بإضافة : فإن عدم الرياضة جملة لا ينبغي لذي صحة . ويكون الدلك المستعمل في هذا الصنف دلكا لينا معتدلا في كميته . وهو الدلك الذي ينمي اللحم . وذلك ببعض الأدهان الباردة كدهن البنفسج وغير ذلك .
ويستحموا بالماء الفاتر الذي يستفرغ من أبدانهم الفضول الدخانية . ولا حاجة بهم إلى استعمال هواء الحمام في الأكثر من تدبيرهم . واستعمال الماء البارد بعد الحار في هذه الأبدان لا بأس به ، فإنه يصلح ما يفعله الماء الحار من إحرارها . وهؤلاء ليس ينبغي أن يكون أكلهم في النهار أقل من مرتين . وأما إن كان اليبس ظاهرا عليهم مع الحرارة فثلاث مرات لا أقل من ذلك ولا أكثر .
وأما نوع أغذيتهم فإن عادة الأطباء في ذلك قد جرت بأن يقولوا : أما إن كان قصد أصحاب هذه الأبدان حفظ صحتها على ما هي عليه فبالشبيه من الأغذية أعني الحارة أو الحارة اليابسة . وأما إن كان قصدهم نقل أمزجتهم فبالضد وذلك بتدريجهم في ذلك قليلا قليلا .
36 - وأنا أرى أن هذه الأمزجة من حيث خروجها عن الاعتدال إلى أحد الأطراف قد قاربت من الجهة التي خرجت إليها أن تقع في المرض المجانس لذلك المزاج .
وذلك عند أدنى سبب يطرأ عليها من خارج . فلمكان هذا الاستعداد الذي فيها أرى أن لا تكون أغذيتها شبيهة بها من كل الوجوه .
الكليات في الطب — صفحة 360
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٦٠