وأعني بالعظم أن تكون الأسباب الفاعلة لها قوية ، وبالصغر ضد ذلك .
وهذه أيضا يتصور فيها التركيب .
30 - في دلائل حمى الدق
128 - وهذه الحمى لها مراتب ثلاثة كما سلف تختلف فيها أعراضها بالأقل والأكثر ، ولكن أعراضها تخفى من أول الأمر ، فمتى رأيت في الجسم حرارة دائمة لينة قد أقامت أكثر من ثلاثة أيام وليس لها كبير حس عند العليل ولا فيها أمارة من أمارات حمى العفونة فينبغي أن يظن بها أنها دق ؛ فأطعم العليل وتفقد نبضه والحرارة التي عليه ، فإن رأيته بعد أخذ الطعام بثلاث ساعات أو نحوها تتزيد الحرارة عليه ، ويسرع نبضه ويتواتر ويعظم عظما ما ، فاقطع أنها دق .
129 - والسبب في ذلك هو أن الأعضاء لما صار بها سوء مزاج حار ، وكان المغتذي من شأنه أن يصير الغذاء شبيها به ، كان الغذاء ، ضرورة ، إذا ورد أبدان هؤلاء اكتسب حرارة غريبة ، سواء كان في نفسه باردا أو لم يكن ، فتعظم حينئذ الحمى وتقوى أعراضها .
وليس يلزم مثل هذا في حمى العفونة ، فإن الحرارة الغريبة فيها لم تتشبث بالأعضاء الفاعلة في الغذاء .
وما يقوله الأطباء في إعطاء سبب هذا العرض فقول خطبي مثالي « 1 » ، وذلك أنهم يشبهون حال الغذاء مع هذه الأبدان بمنزلة الماء الذي يرمى على الحجر المطبوخ ، وهو حجر النورة .
وهو قول شعري : فإن البدن ليس يمكن فيه أن يتباعد من الغذاء حتى تكون المضادة التي بينهما شبيهة بالمضادة التي بين الماء وحجر النورة ، فإن كل واحد منهما يفسد صاحبه .
130 - وهذه الحمى ليس تكاد تكون إلا بعد أحد الحميات الأخر : إما حمى يوم في الأبدان المستعدة لذلك ، وإما بعد أحد الحميات العفونية ، وهو الأكثر .
وإذا اشتدت هذه الحمى هزل جسم العليل ويبس جلده وضمر وجهه وغارت عيناه .
وأما إذا صارت إلى المرتبة الأخيرة من الذبول فإن العين حينئذ تكون كأن عليها
هامش
( 1 ) أي : يقوم على المماثلة .