وكان هبوب الريح الشمالية على العادة ، فإن تلك الأمراض تكون هادئة ساكنة . وإنما كان ذلك كذلك لموضع برودة فصل الحر ، لأن الأمطار تبرد الهواء .
والشمال ( ريح الشمال ) أيضا تفعل ذلك ، مع أنها يابسة . ومعلوم أنه إذا برد الهواء قل التعفن .
52 - وبالجملة فينبغي أن تعلم أن هذه الأمراض التي ذكر أبقراط في هذه الأصول إنما أملك أسبابها تغير طبيعة الهواء .
وذلك أن الفصول إنما جعلت مختلفة بائع لمكان نضج الأخلاط وتعديلها .
مثال ذلك أن رطوبة فصل الشتاء وبرده إنما هي لمحة ليبس الخريف والصيف وحرهما .
فإذا كانت الشتوة يابسة بقيت تلك الأخلاط سببها وليس تصلحها رطوبة الربيع .
فإنها رطوبة في غير وقتها .
وذلك أنها تلقاها حرارة الصيف بغير متوسط ، فتحدث هذه الأمراض ، وأما الرطوبة التي تكون في القوة فإنها تلقاها حرارة الصيف بمتوسط ، وهي حرارة الربيع .
ولذلك ليس يرد صيف إلا وتلك الرطوبة قد تنشقت واستعدت الأجسام ألا تتأثر عن الحر .
وبالجملة طال الفصول الأربعة من الأخلاط الأربعة كحالها من الأسطقسات الأربعة ، أعني كما الفصول الأربعة هي التي تمنع أن يغلب بعض الأسطقسات على بعض ، كذلك لها مع الأخلاط .
فلو لا الفصل المناسب لخلط خلط لفسد ذلك الخلط عن ضده .
53 - قال أبقراط : متى كان الشتاء جنوبيا دفئا مطرا ، وكان الربيع شماليا جالبا للمطر ، فإنه يعرض اختلاف دم ورمد يابس .
والكهول تعرض لهم النزلات السكات والفالج .
قال والحوامل يعرض لهن الإسقاط كثيرا .
أما كون النزلات السكات والفالج يحدث في مثل هذا الربيع فأمر بين : وذلك أن الأدمغة تترطب في هذه الشتوة أكثر مما يجب ، فإذا كان الربيع باردا مع ما فيه من تحريك الأخلاط ويرها ، وبالجملة مع ما فيه من مضادته لمزاجه الطبيعي ، بردت تلك الأخلاط وسالت يحدث عن ذلك أمثلة هذه الأمراض .
وليس لقائل أن يقول : إن فصل الشتاء إذا كان هذه الصفة أولى بهذه الأمراض ، لأن
الكليات في الطب — صفحة 172
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٧٢