123 - ولما كان حس هذا العضو واشتياقه إلى الحار اليابس وهو الغذاء ، والبارد الرطب وهو الماء ، وجب أن يكون لقاؤه للأعراض في هذين الصنفين إما تعطل شهوته للحار اليابس أو نقصانها فمن قبل وجود الحار اليابس له فقد وفينا أسباب ذلك .
وأما تعطل شهوة البارد الرطب فمن قبل أيضا وجود هذا المزاج له ، ولذلك قال الأطباء إن عدم شهوة الغذاء يكون من الحرارة واليبس ، وعدم شهوة الماء من وجود الرطوبة والبرودة له .
وبالجملة فإنه يكون عن سوء مزاج بارد رطب ، أو بارد فقط .
وأما عن سوء مزاج حار يابس فيعسر تصوره ، اللهم إلا ما يظن أن ذلك يعترى في أواخر الحميات المحرقة عند القرب من الموت .
وأما اختلال هذا الانفعال وخروجه عن المجرى الطبيعي ، إما في الكمية وإما في الكيفية : أما في الكمية فمثل الشهوة التي تكون أكثر من الهضم ، وأما في الكيفية فمثل اشتهاء الأشياء الرديئة الطعوم ، مثل أكل الفحم والطفل « 1 » وغير ذلك ، فسببه يكون : إما في إفراط كمية شهوة الطعام فأحد أمرين ، إما تحلل مفرط أصاب الجسم كما يعتري الناقهين ، فإن هؤلاء شهوتهم أكثر من هضمهم ، وإما لبرد في فم المعدة أكثر مما ينبغي ، فإن هذا الفعل كما قلنا إنما يتقوم ويتم بالبرد ، فإذا تزيد برده من غير إفراط حدثت شهوة كاذبة . ولذلك كانت الأشياء الحامضة تهيج الشهوة . سوء المزاج هذا قد يكون غير مادي ، وقد يكون ماديا عن بلغم حامض أو سوداء ، والحادث عن سوء المزاج المادي يسمى الشهوة الكلبية .
وأما إفراط الشهوة للبارد الرطب فسبب ذلك ضرورة سوء مزاج حار يابس مادي أو غير مادي ، وسوء المزاج المادي الذي يفعل هذا العرض في هذا العضو هو إما مرة صفراء وإما بلغم مالح ، وسوء المزاج الحادث بهذا العضو قد يكون حدوثه فيه أوليا ، وقد يكون لمجاورة غيره ومشاركته مثل الكبد والرئة وغير ذلك .
124 - وبالجملة فكما قلنا قبل إن إحساس الأعضاء بما يتحلل منها من الجزء الحار اليابس إنما يكون بهذا العضو عندما يجذب منه غيره من الأعضاء ، كذلك لست أمنع أن يكون الأمر في شهوة البارد الرطب .
وينبغي أن تعلم أنه قد تدخل أعراض رديئة على القوة الدافعة أو الجاذبة من تعطل
هامش
( 1 ) أي : سقط النار .