تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تشريح بدن الإنسان — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
الحيوانية فيه كصورة في موضوع وإلّا تحلّلت دائما ، وانتقصت بتحلله وتنقصه ، فلم يكن لحياة البدن وجود إلّا يسيرا ، فجعل لقوة الحياة أصلا ومبدأ ومعينا يتولد وينشأ دائما ويصل إلى جميع البدن دائما ليكون البدن مدّة بقائه حيّا ، ولزم لحصول هذا المقصود أمران : أحدهما أن يكون دائما مع تولد قوة الحياة شيء لحملها ، ويوصلها إلى جميع البدن ، وهذا الشيء هو الروح « 1 » وذلك أنه جسم رقيق نفاذ في المسالك الضيّقة واصل إلى جميع البدن ، والثّاني أن يكون مع هذين شيء به تمكن الروح إيصال قوة الحياة إلى جميع البدن ، وبه تمكن البدن قبول قوة الحياة وبه تمكن قوة الحياة استعمال البدن ، وهذا الشيء هو الحرارة الغريزية أعني حرارة مخصوصة بالحيوان من حيث هو حيوان لا يوجد في شيء آخر ، وذلك أنّ الروح من دون اكتساب هذه الحرارة لا يقوى على حمل قوة الحياة ، وكذلك البدن من دون اكتساب هذه الحرارة لا يمكنه قبول قوة الحياة ؛ لأنّ هذه الحرارة هي الشيء الذي يتوسّطه توحد قوة الحياة ، أمّا في الروح فكالضوء الذي يتوسّطه محمل الهواء اللون وأمّا في البدن فكالشيء في موضعه كالإشفاف « 2 » الذي يتوسّطه يقبل الهواء الضوء في ذاته ، فجعل المبدأ المكوّن المولّد لهذه الأشياء الثلاثة أعني قوة الحياة ، والروح الحيواني ، والحرارة الغريزية ، شيئا واحدا لتتوافى « 3 » ثلاثتها معا على النسبة الواجبة وهذا المبدأ هو القلب ، والقلب معين معدن منه يتولّد وينبع قوة الحياة والحرارة الغريزيّة دائما لا بأن يستفيد منها أو يستمدّ منها من شيء آخر ، وأمّا الروح فلأنّ مادّته الهواء
هامش
( 1 ) الروح : ما به حياة النفس ، وكل ما يتعلق في جارحة الإنسان ومشاعره وأحاسيسه ، قال تعالى في محكم كتابهوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاالإسراء : 84 . ( 2 ) الإشفاف : مصدر شفّ ، يقال : شفّ الحرّ الشيء : جفّفه وأيبسه . ( 3 ) تتوافى : تتّم .