ثم لما كان هذا البدن الحيّ دائم التحلّك لتضاد كيفيات عناصره ، واختلاف أماكنها جعل فيه قوى وآلات تحفظ البدن على مقداره ومزاجه ، وهذه القوة هي القوة الغاذية فتمّ البدن الحي وصارت فيه قوة تجعله حيا وقوة تحفظه وتسوّسه « 1 » من داخل ، ثم لما كان البدن تحيط به من خارج ما يضرّه ويفسده وما ينفعه في أن يبقى مثل الغذاء وغيره ، وجعل فيه قوة تدرك ما هو خارج منه وقوة تميّز وتحصل ما هو خير مطلوب أو شر مهروب ، وقوة تنفعل فتكره أو تشتهي قبل أن تناله وتتأذّى أو تلتذ عنه ما يصيبه فعند ذلك تحرك القوة الحيوانية البدن إليه أو عنه ، وهذه القوة التي تدبّر البدن من خارج تسمى القوة الإرادية فيتم بهذه القوى البدن الإنساني ويبقى محفوظا ما أمكن ، فالقوة الإرادية التي توجد في البدن وتفعل من خارج تدرك الحواس ، وتحصل بالتمييز ما ينبغي للقوة الحيوانية أن تفعل بحسبه ، وتدبر ما ينبغي طلبه أو تكره لمصلحة البدن ، فتحرك القوة الحيوانيّة البدن إليه أو عنه فيكون ذلك معونة للقوة الغاذية التي جعلت في موضع القوة الحيوانيّة لبقائه ، ثم جعل هذه الجملة أعني البدن الحيّ المغتذي المدرك المريد مولدا لمثله لبقاء النوع ، وذلك بأن تفعل هذه القوى كلّها ، لأن المنفعلة تشتهي والإرادية تقصد والغاذية تفعل المادة ، ثم المولدة تكون بدنا آخر بهذه الشرائط ، فيبقى النوع دائما .
فصل الروح
لما كان بدن الإنسان متحلّلا دائما لم يجعل اللّه تعالى القوة
هامش
( 1 ) التسوّس : يقال سوّس عظمه ودوّد لحمه ، إذا تهالك غمّا ، والسّاس هو العثّ الذي يقع في الحبوب والطعام والصوف والثياب والخشب فيأكلها .