وأما الحيوان غير الناطق : فلا يوجد « 1 » فيه ذلك ، لأن كلّ واحد من الحيوان غير الناطق يفعل الأفعال المخصوص بها ، للمنفعة التي من أجلها خلق بلا تمييز ، كالفرس الّذي فعله المخصوص به العدو « 2 » ، والثور الحراثة « 3 » ، والبازي الصيد ، والكلّب الحراسة ، وغير ذلك من الأنواع الأخر .
وكلّ واحد من هذه القوى الثلائة له مركز وموضع يخصه ، فالتخيل موضعه الّذي هو فيه البطنان المقدمان من بطون الدماغ [ وهو ادراك ما ليس بحاضر كأنه حاضر ] « 4 » والفكر موضعه الّذي هو فيه البطن الأوسط من بطون الدماغ ، والذكر موضعه الّذي هو فيه البطن المؤخر من بطون الدماغ . وفي هذه البطون الروح النفساني الّذي يكون به أفعال هذه القوى ، وكلّ واحد من هذه القوى له فعل خاص به .
وأما القوة التي بها يكون التخيل : فهي التي تتصور الأشياء وتتوهمها وتلقيها إلى الفكر .
وأما القوة التي يكون بها الفكر : فهي القوة التي تنظر في الأشياء التي كان تصورها بالتخيل والوهم والفكر من الاعمال والصناعات والعلوم وغير ذلك ، وتمييزها وتدبيرها فإن كان ذلك من الأشياء التي تعمل باليد وممّا تتحرك بها الأعضاء اتبع ذلك بالعزيمة على فعله ، ثم يتبع العزيمة تحريك الأعضاء المتحركة بإرادة ، وإن كان من الأشياء التي تحفظ فقط أتبع ذلك بالحفظ له .
وأما القوة التي يكون بها الحفظ : فهي القوة التي تحفظ الأشياء التي عملت بالفكر [ أو بالظن « 5 » ] وتصورها وتطبعها في موضعها فهي تبقى ثابتة إلى الوقت الّذي يحتاج إليها فيخرجها من القوة إلى الفعل . فهذه صفة أفعال القوى التي يكون بها التدبير ، [ فأعلم ذلك إنشاء الله « 6 » ] .
هامش
( 1 ) في نسخة م : يمكن .
( 2 ) في نسخة م : الاحفار .
( 3 ) في نسخة م : والثور الجراثة .
( 4 ) في نسخة م فقط .
( 5 ) في نسخة م فقط .
( 6 ) في نسخة أفقط .