فقال : لو زاد عبد الملك بن صالح في عنان فرسه حتى يلحق بأمير المؤمنين لم يكن بذلك من بأس فقال الرشيد : استجهلنا أبو عبد الرحمن ، ولم ير مساعدتنا على ما نحن فيه ، قال : قد فعل ذلك فأمسك الرشيد فضل عنانه متوقفا عليّ حتى قربت منه ، فعاتبني على ما أنكره ، فقلت : يا أمير المؤمنين العذر واضح . قال : وما هو ؟ قلت : انا على فرس لا أثق به قال :
عذر ، وامر لي بجنيبة « 1 » فركبتها وتسايرنا غير بعيد ، إلى أن أثيرت طريدة أخرى ففعل كفعله الأول ، ولزمت حالي الأولى ، فاشتد انكاره وتلوّم « 2 » عليّ فلحقته ، فقال : اقلنا العلة فما استقيلت الزلة ، فقلت :
يا أمير المؤمنين إذا كنت لا أثق بفرسي وقد بلوته ، فأنا بما لم إبله أقل ثقة ، فقال : لا ولكن السكينة والوقار افرطا على أبي عبد الرحمن ، وكان هذا بعض ما احفظه عليّ . وتوخّى أبو نواس في تشبيب قصيدته التي أولها :
خلق الزمان وشرّتي لم تخلق * ورميت عن غرض الشباب بأفوق « 3 »
ولقد غدوت بدستبان معلم * صخب الجلاجل في الوظيف مسبّق « 4 »
حرّ صنعناه لتحكم كفّه * عمل الرفيقة واستلاب الأخرق « 5 »
هامش
( 1 ) الجنيبة : الدابة .
( 2 ) تلوّم : تكلف اللوم .
( 3 ) الشرّة : الحدة . والأفوق : السهم الذي لا نصل فيه .
( 4 ) في المخصص أن الدستبان القفّاز وهو بالفارسية الدستبان : الكيس من الأدم الذي يجعله الرجل على يده تحت رحلي الصقر والسير الذي في رجلي الصقر قد جمع بينهما ، وهو القيد والسباق ، والجلاجل جمع جلجل وهو الجرس الصغير . وصخب : أي تسمع صوت الجرس الذي علق برجليه . والوظيف :
مستدق الذراع والساق من الخيل ومن الإبل وغيرها . والمسبّق : ما له سبافان وهما قيدان من سير أو غيره وذلك مخصوص بالطائر .
( 5 ) جاء هذا البيت في مختارات البارودي ج 4 / 29 والحيوان 7 / 48 :
حرّ صنعناه لتحسن كفه . . . والحر : الكريم الأصل . وصنعناه : علمناه وأدبناه .
والرفيقة : اللطيفة الصنعة الحسنتها .