وسوء الظن من أجل فزع ناله حين اجتاز ما بين بساتين ليلا فسمع حفيف الشجر وقرع بعضها لبعض ، فراعه ذلك وأفزعه وخيل إليه أن ذلك من أصوات الجن فذهل عقله وعرض له اختلاط ، إلى أن احتال له طبيب أتاه به أهله ليعالجه ، وعرف الطبيب السبب الموقع له في علته ، فقال له الطبيب : أيها الإنسان لست أعالجك . قال : ولم ذلك . قال : لأني ناديتك ليلة كذا وكذا موضع كذا وكذا لتعاونني على حمل سقطت به الدابة فلم تفعل . فقال له المريض : وإنما ذلك الصوت كان منك . قال : أجل ، فبرأ عند ذلك الوصب وزال عنه ما كان عرض له من سوء ظنه وفساد تخيله .
كالمرأة التي وقعت في مثل هذه العلة وخيل إليها أنها ابتلعت حية ، وأن الحية تجول في جوفها ، وقوي ذلك الوهم الباطل في نفسها فأمرضها وألزمها الفراش ، فاحتال لها جالينوس أو غيره من الأطباء الذين جيء بهم لعلاجها ، بأن استوصف منها صفة الحية ثم عمد إلى حية على تلك الصفة فاحتال في أخذها وجاء بها معه ، ثم سقاها بعض الأدوية المقيئة وعصب عينيها بعصاب ، ثم أمرها بالقيء فقاءت ، فلما استفرغت بالقيء ألقى تلك الحية التي جاء بها في الطشت ، ثم أمر بحل عينيها وقال لها : « قد خرجت وعافاك اللّه من شرها » .
فلما عاينتها المرأة عوفيت وزال ما كان بها من المرض .
قال محمد : وذلك أن لهذا العرض سببين عنهما يكون وبفسادهما يتولد ، وهما الجزء المقدم من أجزاء الدماغ المسمى باليونانية الفنطاسيا وهو بيت التخيل ، والجزء الأوسط من أجزاء الدماغ الذي هو بيت الفكر ، فمتى فسد
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 316
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص٣١٦