من ارتاض في علم الفلسفة وعرف أصول الأشياء وعناصرها وتصرف أخلاق النفوس في استعمال ملاذها ، فأما سبب ذلك فإني أقول : إن فرفوريوس اليوناني ذكر في صدر كتابه الموسوم بكتاب السماء ، وذكر أيضا ذلك غيره من الفلاسفة الذين عنوا بعلم الموسيقى ولخصوه وعرفوا أصوله ومبانيه وفصوله وعناصره ، أن الألحان الثمانية التي هي أصول جميع النغم ومنها تتألف جميع الأصوات المطربة الملذة الموزونة الجارية على حقائق الإيقاع وعنها تتركب ، هي موجودة في جميع نفوس الحيوانات من البشر والطير وذوات أربع القوائم ، وأن لهذه الألحان أصلا عنه تفرعت وعنصرا منه ابتدأت وعنه تكونت وهو اختلاف أصوات حركات الأفلاك الثمانية ، التي هي فلك البروج المكوكب بالكواكب الثابتة وفلك زحل وفلك المشتري وفلك المريخ وفلك الشمس وفلك الزهرة وفلك عطارد وفلك القمر ، وأنها في دوام حركاتها وتتابع نغماتها وترجيع أصواتها مواصلة للتقديس والتمجيد والتحميد لبارئها ومنشئها ، وأن اختلاف أصواتها في توالي حركاتها يشجع الجبان حتى يرمي بنفسه من الحرب في مرامي الهلكة ، فأما الشجاع فإنها تثير شجاعته وتحرك أنفته وتزيده بأسا إلى بأسه ونجدة إلى نجدته .
وقد روي أن غلاما من أولاد وجوه اليونانيين كان شجاعا نجدا مقاتلا يعد بمئتين من الرجال ، وكانت له أخت تحبه وتشفق عليه ، فحضرهم عدو من أعدائهم وأرادوا حربه وقتاله ، وكان هذا الغلام من شجعانهم ، فاحتبسته أخته عن الخروج إلى الحرب ، وأقسمت عليه / ألّا يخرج فأجابها إلى ذلك ، وافتقده
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 312
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص٣١٢