وموافقتها في تأليفها لبعض أعراض النفوس ومضادتها لبعضها ، قد يصلون بالواجب من الرأي والعقل من أشفية الأسقام / ودفع ضرر الآلام الواردة على النفوس من الأمراض الوافدة إلى مثل ما ذكره هذا الفيلسوف الحكيم وحكاه عن حكماء الأطباء والفلاسفة المتقدمين من فعل النغم المطربة عند السماع وقرع الأوتار الملذة الجارية على حقائق حركات النفس المقوية لها المنبهة لقواها ، بخاصّ ؛ إذ كان ذلك قد يرد على أنفس الأعلاء من غير إتعاب للطبيعة بتنفيذه ولا معاناة لها في إيصاله إلى مكامن الأدواء من العروق النوابض والأعضاء الرئيسة ، فإذا المغنون المحسنون على هذا القياس هم أطباء النفوس بلذيذ صناعتهم وتقدمهم في الحذق بها على غيرهم ومعدلو أمزجة الأجساد بما يشاكل طبائعها وما يوافقها ويجلب إليها نفعها من لذيذ النغم لا شك في ذلك ولا ارتياب .
وقد روي عن المأمون « 1 » أنه كان يقول : « ليس شيء مما يتنعم به أهل الدعة ويستعمله ذوو المروءة ويؤثره أهل التملك والرفاهية إلا وتدخله المعاناة والكلفة وتعرض فيه الملالة ويقدح فيه الفتور والسآمة ويكدره التأهب والنصب حتى المركب الوطيّ والمطعم الشهيّ والمشرب الرائق والملبس الفائق ، إلا الطيب والسماع المطرب ؛ فإن الراحة عليهما مقصورة ، والفائدة فيهما مأثورة ، إذ كان
هامش
( 1 ) المأمون : العباسي ، عبد اللّه بن هارون الرشيد ، أبو العباس ، سابع الخلفاء العباسيين ، ولي الخلافة بعد خلع أخيه الأمين سنة 198 ه ، عمل على جمع كتب العلم والفلسفة وأمر يترجمتها ، عاش بين 170 - 218 ه / 786 - 833 م .