كانت تنحط في جرمه وهو يشف عنها شفيف الزجاج عن اللؤلؤة المضيئة ، فلم أزل ناظرا إليها تنحط في جرمه شيئا بعد شيء حتى برزت من حدبة ظاهرة نحو المغرب وفارقها بسرعة حركته إلى ما يلي المشرق ، فاستدللت بذلك على أن جرمه جرم شفاف في جوهر الطلق أو الزجاج الصافي ، ولم أرد بذكر هذا إلا تعريفا لمن لا علم له بكيفية أجرام الأنوار العلوية وماهيتها وتأثيرها فيما دونها من العناصر ، إذ ذلك سبب كونها .
قال محمد : فقد صح بما أوضحناه وأطنبنا في ذكره أن صلاح ثلاثة العناصر ( 1 ) التي دون النار إذا فسدت فبالنّار تنال وبحرّها تستدرك ، وإنما ذكرت هذا الفصل وشرحته / هذا الشرح وأوضحته هذا الإيضاح ؛ تنبيها على ما أشار إليه الفاضل أبقراط بفعله عند دفعه ضرر الأوباء والطواعين عن أهل مدينته بأمره إياهم بإيقاد النار حول المدينة واستعمال التدخين عليها بالأصماغ والأدهان ، وبلغني أنه فشا الطاعون في الزمن الأول ببعض المدائن فأهلك من أهلها بشرا كثيرا ، وأن بعض الحكماء من الأطباء الساكنين بها تفقد حال أهلها في ذلك الفساد ، وتأمل حال من هلك منهم ومن بقي ، فوجد أكثر من نجا من أهلها وسلم من الهلاك في ذلك الطاعون والوباء من كان في مهنته وصنعته مباشرا للنار كالحدادين والسباكين والخبازين ، وهذا أيضا دليل واضح وشاهد عدل على نفع الأقرب في هذه الأوقات من لهب النار وفعله في تحليل الغلظ والفساد الممازجين للهواء والماء وتلطيفه ذلك على مدمني استنشاقه عند مجاورتهم للهب النار .
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 198
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص١٩٨