أن تقع في شيء من الأمراض ، فلم يخطئهم مارجوا من ذلك ؛ لأن هذا الدواء كان يصير دماءهم صافية نقية ، ليس بأنه يبرئ « 1 » ما فيها من فساد كالأدوية المسهلة ، لكنه بلطفه يحلل ما في عمق الأبدان وما في الأعضاء من لطيف الأعفان والأخلاط المخالفة للطبيعة ويكشفها عنها ، وكانوا عند حلول الأسفار إذا علموا أنهم يأتون كورا مسقما رديء الهواء ومياها آجنة غليظة رديئة الغذاء يشربون من هذا الدواء على مثال هذه الصفة ، فيصلحون بذلك أمزجة أجسادهم ويجدونه لها بمنزلة الجنن والسلاح المنقذ المخلص .
قال محمد : فإنه كان شيخا فاضلا ليس له نظير في العلم ، وكان يقال له : إليانوس الروماني « 2 » فذكر : « أنه أصاب أهل أنطاكية مرة من الزمان وباء شديد عمّها وجلب على أهلها موتا حادّا سريعا فأهلك أناسا كثيرا حتى صار أطباؤها وسلاطينها إلى الجزع والخوف ، وإن رجالا من أهل العلم أشاروا على أهل البلد ورأوا لهم العلاج بالدرياق والكف عما سواه من الأدوية كلها ، فشربه الناس عن آخرهم ، فأما من شربه بعد حصول المرض في جسمه فإن منهم من تخلص من مرضه ومنهم من هلك ، وأما الذين شربوا قبل حلول المرض بهم فإنهم تخلصوا من المرض بأسرهم » « 3 » .
قال محمد : وليس ذا بعجب من فعله ؛ لأن هذا الدواء إذا كان يقوى
هامش
( 1 ) خ : بيرون .
( 2 ) إليانوس الروماني : شيخ من شيوخ يونان ذكره جالينوس وادعى أنه شيخه .
( 3 ) راجع الزوزني ، المرجع السابق . ص 65 - 66 .