فأما الجبن الذي هو في مزاجه ضد العتيق فإني ضمدت به أيضا ضربة لم تكن بالكبيرة جدا كانت أصابت إنسانا بالقرية ، وذلك أنه سحقته نعما ووضعت عليه من خارج ورق الحماض ، وقد يمكن - إن لم يوجد ورق الحماض - أن يصير بدله ورق الكرم أو الدلب أو الخس أو السلق . فهذا الجبن الحديث الذي هو مفرد في قوته ألحم الضربة .
وأما الجبن الآخر الذي يسمى عندنا في برخامس وموسيا التي فوقنا « أوكسوغالافسطس » وهو المتخذ من اللبن الرائب فإنه أدمل ضربة بعض أهل القرى لما وضع عليها على ذلك المثال ، وذلك أن للجبن الطري قوة حابسة ، لأنه يبرد تبريدا معتدلا . فأما الذي يسمى أوكسوغالافسطس فإنه مع هذه القوة له قوة أخرى تحلل قليلا .
وقال د في المقالة الثانية : أما الجبن الرطب فكثير الغذاء ، طيب ، لذيذ ، جيد للمعدة إذا أكل ، سريع النفوذ في الأعضاء ، منم للحم ، ملين للبطن باعتدال على أنه قد يكون فيه اختلاف على قدر طبع اللبن الذي يتخذ منه . وإذا طبخ وعصر ثم شوي من بعد كان حابسا للطبع . وينفع أورام العين وآثار الوجه متى تضمد به .
فأما الجبن الطري المملوح فقليل الغذاء إذا أكل . وله عمل في نقصان اللحم ، وهو رديء للمعدة ، مؤذ للأمعاء .
وماؤه يغذي الكلاب أكثر من كل شيء .
فأما الجبن الذي يسمى إنفاقي فإنه جبن يتخذ من لبن الرماك ؛ زهم ، إلا أنه كثير الغذاء ؛ وهو يعدل الجبن المتخذ من اللبن الذي يكون من البقر ؛ ومن الناس من يسمي إنفحة الخيل إنفاقي .
وقال في « كتاب الأغذية » : إنا وإن كنا قد قلنا عن الجبن آنفا ولكنا إنما قلنا عنه قولا جزئيا ولا كليا ؛ ومن أجل ذلك سنصفه أيضا حتى يكون القول فيه كاملا غير ناقص إذ نقول هكذا : إن الجبن ثلاثة أصناف : أحدها الجبن الرطب الرائب الذي يعمل من ساعته ، والآخر فذلك الصلب الطري ، والثالث الجبن العتيق الذي قد أتى عليه حين وعتق جدا .
فأما الحديث الرطب الذي يعمل من ساعته فبادر بقياس ذينك الصنفين الآخرين ، وذلك أنه يحل قوة اللبن الغالبة عليه ، ومائيته كثيرة ، وليس فيها ملح ولا الإنفحة الحريفة التي تكون منها استفادة الجبن الحرارة واليبوسة ، وذلك أنه ليس يعمل ليبقى زمنا كثيرا بل للذته وطراءته ومنعه يومه ذلك ؛ وليس تغليظ الكيموس كالعتيق . وينبغي أن تستعمل بعد أكل هذا النوع أكل العسل كما قلنا آنفا كي تقل مضرته .
فأما الجبن الآخر الذي قد أتى عليه أيام فأقل في حره ويبسه وحدته من العتيق الذي قد أزمن وأغلظ من العتيق في خلطه وإن كان ليس رديا كرداءة كيموس العتيق ، وهو سريع الاستمراء ، بطيء في المعدة كإبطاء الجبن العتيق .
وأما ذلك العتيق جدا فحار ، يابس ، حاد بقياس نوعي الجبن ذينك ؛ وذلك أنه شد عنه
الحاوي في الطب — صفحة 95
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٩٥