وأما قشور النحاس فهي تنقص اللحم وتذيبه أكثر من قشور الحديد وقشور الشابرقان .
وأما قشور المسامير فهي في ذلك أكثر من قشور النحاس .
وجميع أنواع القشور يلذع لذعا ليس بالدون ، وهذا مما يدل على أن قوام جوهرها ليس هو بكثير اللطافة بل هو أحرى أن يكون أغلظ ، وذلك لأن الألطف دائما من الأشياء التي قوتها قوة واحدة بعينها على ما بيّنا في ما تقدم من قولنا هذا هو أقل تلذيعا .
وقال د في المقال الخامس : إن جرادة النحاس ، أما تلك الكائنة من معدن النحاس القبرسي وهي الغليظة التي تسمى المسمارية فإنها فائقة . وأما الكائنة من النحاس الأبيض فردية ، وهي رقيقة ضعيفة . وبالواجب أن تجتنب وتختار تلك الغليظة التي فيها خضرة ، التي إذا نضح عليها خل صديت . فأما قوتها فقابضة ضامة ، ملطفة ، منقية ، تحبس الأواكل عن التقدم والانبساط ، وتختم الجراح . ومتى شربت مع العسل نقصت الماء .
ومن الناس من يعجنها مع الدقيق ويعمل منها حبا ويعطيها لتزدرد .
وتخلط في الأكحال ، وذلك أنها مجففة للقروح ، مذيبة لجسأة الجفون .
وهكذا تغسل : اعمد إلى جرادة النحاس اليابس ، فنق منها رطلا ، ثم ألقها في هاوون مع ماء صاف وحركها بيدك نعما حتى ترسب الجرادة ثم التقط كل ما يطفو على الماء ، وصب عليها ماء المطر أوقية ، وابسط كفك وادلك بها الهاوون نعما كأنك تمرسها أو تفرغها ؛ فإذا بدأت اللزوجة بالخروج منها فزد عليها ماء قليلا قليلا حتى تتم ست أواق واعركها وامرسها مرسا قويا ، ثم أمسك الجرادة بيدك وامرسها على جنب الهاوون مرسا قويا وصف عنها ذلك الماء وأمسك الجرادة بيدك وأوقعه في إناء نحاس أحمر ، فإن هذا لب الجرادة وفقاحها ، ثم هو قوي القوة ملائم صنعة الأكحال .
فأما باقيها فضعيف ، وما بقي منه فاغسله على ذلك المثال وصفه حتى لا يخرج منه لزوجة أصلا ؛ ثم بعد ذلك غط الماء بخرقة واتركه يومين لا يحرك البتة ؛ وبعد ذلك أهرق عنه الماء وخذ ما هدأ منه وجففه وارفعه في برنية .
ومن الناس من يغسل جرادة النحاس أيضا كما يغسل القليميا ويرفعها ويحفظ .
وأما جرادة الشابرقان فقوتها وقوة جرادة النحاس واحدة ، ومثلها تغسل ويتحفظ بها ، ولكنها في بعض الطبيعة دون جرادة النحاس .
وقال بولس في المقال السابع : إن الجرادات كلها قوية اليبس والقبض ، قوية اللذع ، ولكن جرادة النحاس أشد تجفيفا وألطف ، وذلك أن فيها صدء ، لا سيما تلك الكائنة من مسامير النحاس القبرسي التي تسمى المسمارية .
فأما جرادة الحديد فذات قبض يسير ؛ وجرادة الشابرقان خاصتها النفع من القروح الخبيثة الجوهر إلا أن جرادة النحاس تنقي خاصة وتذوب اللحم .
الحاوي في الطب — صفحة 98
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٩٨