ومن المياه الجيدة المياه السائل من المشرق .
والصيفي أفضل المياه كلها ، لأن الهواء هناك صاف جدا ؛ وصفاء الهواء ينفع ما لا ينفع اعتدال الحرارة والبرودة ، فلذلك هذا الماء أفضل من ماء البلاد المعتدلة في الحر والبرد إذا لم تكن مقابلة لمشرق الشمس ، وكذلك رطوبة الهواء وكدرته يضران بالماء ما لا يضره برودته .
لي : الذي ينفع الماء ويجعله خفيفا صفاء الهواء والحرارة ، والذي يجعله غليظا ثقيلا غلظ الهواء والبرودة ، إلا أن صفاء الهواء خير له من الحرارة ، وغلظه شر من البرودة .
قال : وكل مالح من المياه بطيء النضج جاس ، فإنه ضار للأصحاء ؛ وربما نفع في بعض العلل .
قال : فأما ما كان من المياه الملوحة فكلها ردية عسرة الهضم .
قال : المياه إما بطائحية ، وإما عيون ، وإما ماء المطر .
قال : فماء العيون إذا كانت أرضها معدنية أو تخرج من صخر لم تغن الجهة الحميدة والارتفاع شيئا ، لأن المعدنية مفسدة للدم . والخارجة من الصخر بطيئة الخروج ممن يشربها ، ولكن كما أن أفضل المياه الجيدة الجارية بإزاء المشرق الصيفي كذلك شر المياه الردية الجارية بإزاء الجنوب .
قال : وأفضل المواضع التي تواريها العيون جيدة كانت أو ردية مشرق الشمس ، ثم ناحية الفرقدين ، ثم المغرب ؛ وأردؤها كلها الجنوب ، لأن الريح الجنوب كمدة حارة فتفسد الجيد من الماء ، وتزيد الرديء رداءة .
قال : وأصناف هذه المياه الثلاثة وإن كانت ردية فإنها لا تقوى على أن تفسد الجسم الصحيح الكامل الصحة : وهي المالحة ، والخارج من الصخر ، والبطيء النضج بعد كونها جارية .
قال : ومن كان جاسي البطن من الناس فإن المياه العذبة الخفيفة الصافية نافعة له ؛ ومن كان بطنه غير جاس فإن المياه البطيئة النضج خير له ، لأن المياه السريعة تسهل البطن وتلينه ، والبطيئة تحبسه .
قال : المالحة تطلق البطن ممن لم يعتدها ، فإذا اعتادها خففت البدن ، ويبست الطبيعة ، لأن من المياه الجاسية البطيئة النضج ؛ فأما في أول الأمر فكانت تلذع البطن ، فإذا اعتادت البطن صح فعل طبعه ، فإن الملح يجفف ويقبض ، فيشد البطن ويصلبه .
مياه الأمطار ؛ قال : مياه الأمطار خفيفة ، عذبة ، تبرد جدا ، لأن الشمس تأخذ لطيف الماء .
قال : وتسخن سريعا ، وتبرد سريعا ، وتنضج ما يطبخ به سريعا ، وتتغير وتتعفن سريعا .
ولا تظن أن الماء الذي يعفن سريعا ماء رديء ، فإنه ربما كان فاضلا جيدا إن اجتمعت له العلامات الجيدة ، وذلك أن سرعة استحالته مما يدل على جودته لا على رداءته . وزعم
الحاوي في الطب — صفحة 409
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٤٠٩