المرار عليهم أكثر من غلبة البلغم . فهذه الأقاويل بينه في الدلالة على حاجة الطبيب إلى تعرف حال البلد الذي يحتاج ان يدبر سكانه ، وكذلك أقاويل أخر كثيرة لبقراط لم أر « 212 ب » إطالة هذا الباب بذكرها إذ كان فيما احضرته كفاية لمن له قريحة وسيبعثه ذلك على طلب ما لم تذكره في مواضعه ، ليكمل هذا الباب وللّه الحمد كثيرا .
القول في تغايير الصنائع والأعمال للأبدان
وإذا كانت اعمال الناس وصنائعهم لها من القوة في إحالة الأبدان ونقلها من كيفيات إلى اضدادها كالمزاج الحار يصير باردا ، والبارد حارا ، والرطب يابسا واليابس رطبا ، والليّن صلبا ، والصلب لينا وغير هذه من المتضادات فلذلك يلزم الطبيب ان يعلم ما تفعله كل صناعة من الصنائع في مزاج كل واحد من الناس الصحيح منهم والمريض ليحفظ الصحيح بما شابهه ويشفي المريض بما ضاده ، فالصنايع التي تعاني النار والشمس مثلا تكسب الأمزجة الحرارة كصنايع السباكين والحدادين والزجاجين والكلّاسين وأشباه هذه من المهن فان هذه ونظايرها تفعل في الأبدان بحرارة النار وقربهم منها وبالبعث في معاناتها وأحتداد هذه الصناعة في تبريد الأبدان للصنايع التي تعاني الماء كالغواصين والملاحين والصيادين في الماء ونظاير هذه الصنايع . فأما الصنايع التي تيبس الأبدان فهي الكثيرة الكدّ والتعب وخاصة في الشمس كالبنائين وقطاعي الحجارة والنجارين والمصارعين والنقالين ونظائر هذه . فأما التي ترطب الأبدان فذوات الدعة وقلة التعب والتي يتوفر فيها اللذات على البدن كمهنة العطر ومهنة الموسيقى والمدمنين على الحمامات ونظاير هذه وما ينبغي للطبيب ان يعنى بمعرفة أمر الصنايع ذوات الكيفية الرديئة المضرة بالأبدان وما نوع الضرب الداخل منها على جملة البدن وعلى عضو عضو من أعضائه كالصنايع التي تقوم منها الروائح الرديئة مثل الدباغة وتنقية طرق المياه والاثفال فان هذه وما ماثلها تضر بالحواس وبالدماغ وخاصة إذا اتصلت وتتابعت وكالغربلة للحبوب ودقّ الكتان ومشطه وعمل الصابون والصنايع التي يعاني أربابها الدخان كثيرا فان هذه وما أشبهها كثيرا ما تضرّ بالصدر والرئة وتكسب ضيق
هامش
( 212 ب ) وردت في الأصل ( أرى ) والصحيح ما أثبتناه .