القول في المشروبات
واما المشروبات فالعلم بقواها وافعالها واجب أيضا ليستعمل نافعها ويحذر ضارها ولا يقدر على ذلك من جهة امزجتها وطبائعها ، ولأن الماء أقدمها كلها في الشرف والطبع والمرتبة والنفع فلذلك يلزم العناية بعلم حالاته التي بها يفيد الأبدان وذلك ان حاله الطبيعية له هي واحدة لا تختلف وذلك أنه جوهر لا لون له ولا طعم ولا رائحة ولكنه باردا رطبا وخلق جسمه لا ثبات له ولا اتصال لاجزائه الا بنظام يضمها ومكان ( الأخزانه بعضها عن بعض يخزنه فلذلك « 150 » لا يغذو « 151 » غير أنه نافع في نضج الغذاء ونفوذه إلى أجزاء الأجسام فأما ما وجد من المياه مخالفا لما ذكر فبغير شك ان جسمه قد خالط غيره من الأجسام ذوات الكيفيات واكتسب بذلك كيفيات لم تكن كالمياه الكبريتية والبورقية والشبيّة وأشباه هذه المياه المختلفة الطعوم والأفعال ، ولذلك صار له طعم ورائحة أو ثقل عن وزن غيره ، ولأجل ذلك يصير مغيرا للأبدان ومؤثرا بايثارات مختلفة فيها ، فيجب على الطبيب ان يعنى بمعرفة قوى المياه واختلافها فان الضرر الداخل على الجسم من اهمال أمر الماء عظيم جدا لأصل الحاجة اليه في البقاء واستعماله دائما وأمره وأمر الهواء وأمر فصول السنة إذا اختلفت وأمر الرياح في عمومها للأبدان أمر واحد « 151 ب » في الضرر الداخل على الأجسام منها ولذلك قال بقراط هذا القول : قال بقراط من أراد طلب الطب على طريق المستقيم فينبغي ان يفعل هذه الأشياء التي أنا واصفها وهي ان تتفكر أولا في أوقات السنة ما الذي يقدر ان يفعل ذلك ان بعضها لا يشبه بعضا لكنها مختلفة جدا في أنفسها وفي تغيرها . ثم ينظر بعد ذلك في الأرياح الحارة منها والبادرة وخاصة ما يعم منها جميع الناس ثم ما يخص منها كل واحد من البلدان . وقد ينبغي له أيضا ان يفكر في قوى المياه ، فإنه كما قد تختلف المياه في الطعم وفي الوزن . كذلك قوة كل واحد منها مخالفة جدا لغيره . وإذا تدبرنا ما أمرنا به بقراط بأفكارنا علمنا أن الماء عظيم النفع في حفظ الصحة إذا كان موافقا ، وعظيم المضرة إذا كان غير موافق ، ولا يقدر على تمييز ذلك وتحصيله أكثر مما ميزه القدماء وأشدهم تحصيلا لذلك
هامش
( 150 ) هذه العبارة مضطربة فنقلناها كما هي .
( 151 ) وردت في الأصل ( يعدوا ) والصحيح ما أثبتناه .
( 151 ب ) وردت في الأصل ( امرا واحدا ) والصحيح ما أثبتناه .