محمود إلى مذموم ، كالذي نجد من ضعف القوة عند الشيخوخة بعد قوة الشباب ، ومن سوء حال المرض بعد حال الصحة ، ومن قبح الفقر بعد جمال اليسار ، ومن كثرة الحاجة مع العيلة بعد قلتها مع الوحدة ونظاير هذه الانتقالات وما جانسها مثل الفاقة إلى مصالح الشتاء وما يرد من برده بعد الغنى عن ذلك مجىء الصيف ، فلذلك وأمثاله ينبغي للعقلاء كافة ان يعدوا مصالحهم ويدخرون منافعهم من صيفهم لشتائهم ومن صحتهم لوقت مرضهم ومن وقت شبابهم لوقت شيخوختهم . وإذا كان ذلك واجبا على سائر الناس نافعا لهم بأسرهم فذلك للطبيب انفع وعليه الاهتمام بذلك أوجب ، لان المقصر في ذلك من سائر الناس انما يدخل الضرر عليه وعلى عائلته فقط . فاما الطبيب فإنه إذا عدم مصالحه عدم صواب رأيه ينقسم فكره لطلب حاجته فدخل من ذلك ضرر على تدبيره من الأصحاء والمرضى ، ولذلك ينبغي لمن احتاج إلى تدبيره ان يعينه على مصالحه ويجتهد له في كفايته لتكون نفسه هادية ساكنة وعقلة منصرف إلى مصالح الناس ، ولأجل ذلك ينبغي للطبيب الا يدبر صحيحا ولا مريضا الا بعد خلوّ فكره وإعطائه لنفسه وجسمه ما يحتاجان اليه من مصالحهما فاما نفسه فسكونها هو بما قدمناه من الامن من الفاقة والأمور المفزعة .
واما جسمه فبأن تكون سائر حواسه قد اخذت بحظها النافع لها من محسوساتها ، وذلك بأن لا يكون جائعا ولا عطشانا وقد استعمل من الطيب ما يوافقه ولا يشتاق معه إلى ما يشتمه من الطيب في منازل الناس . ومثل ذلك القول في باقي حواسه لتكون بذلك نفسه مسرورة وعقله صافيا وحواسه نقية من كل كدر فيصفو له بذلك رأيه وتصح مشورته إذا كان قد اتضح لك بما قيل أيها الطبيب السعيد وجود حفظ ( مصالحك ) واعدادك لجميع منافعك كوجوب ذلك على مديري السفينة من أعداد مراسيه وقلوعه وحباله ورجالهم وتيقظهم قبل سيرهم وقبل هجوم الريح عليهم ، فقد لزمك ان تعلم ما تعده لنفسك ولغيرك ممن تريد حفظه وعلاجه إذ كانت الأمور النافعة في ذلك لا يمكن اتخاذها بأسرها في وقت الحاجة إليها كما لا يمكن عمل الدرياق « 194 » وقت حاجة الملسوع اليه فبالواجب أن تكون الدرياقات وغيرها من الأدوية معدة للمرضى والأغذية والأشربة وغيرها من المصالح معدة
هامش
( 194 ) الدرياق - وتكتب أيضا الترياق وهو دواء مركب من عدد كبير من الأدوية يستعمل ضد السموم ونهش الحيات وأول من قلم بتركيبه الطبيب اليوناني اندروماخس ويوجد منه عدة أنواع حسب الأدوية الداخلة في تركيبه وعددها إذ يبلغ في بعضها 70 نوعا من الدواء .