القطن مثلا كسوة وما أشبه ذلك ، وذلك لا يتم الا بفلاحتها والعناية بتنقيتها وساير مصالحها وزراعتها وسقيها وما لا يتم له عرض الا به من اعمالها فبذلك تكتسب قوتا وسترا وكنا له ولمن سواه . ومن كان من الأطباء يحتاج ان يعافي تدابير أهل المدن ويعدوا إلى عيادة مرضاهم مع كثرتهم وترفهم فبغير شك انه لا يمكنه اقتناء مصالحه بجسمه ، ولا بمعاناة صناعة أخرى غير صناعة الطب فيكتسب منها أقواته لأنه بذلك ينقطع عن علمه وصناعته فيصير ضارا قتالا أكثر من ضرر الأمراض فقد بقي إذا ان يكون للطبيب مادة يكتسبها من جهة صناعته وممن يدبرهم بها في حفظ صحة اصحائهم وفي معالجة مرضائهم ، ومن المعلوم ان من الناس فقراء ومنهم مياسير ، وقد أوجب المنعم تبارك وتعالى على أهل النعم الاحسان والافضال على الفقراء والمساكين بما غرس في قلوبهم وعقولهم من العدل والرحمة ، فلذلك يجب على الموسر الذي قد اسبغ اللّه عليه نعمه ، وعلى الطبيب الذي قد شرفه اللّه بفضل علمه ان يستعملا العدل مع الفقراء والضعفاء ليكون نفع صناعة الطب عاما شاملا للقويّ والضعيف . ووجه العدل وابتدائه ينبغي ان يكون من الطبيب أولا وذلك بأن يروض نفسه ويأخذها دائما باستعمال الاخلاق المحمودة والافعال المرضية من الرحمة والرأفة والرفق والعفة والقناعة والشجاعة والسخاء والصدق وكتمان السر وجميع ما جانس ذلك من فضايل النفس وآدابها مع الاجتهاد وفي اقتناء صناعته ودرس كتبها والمعاناة لاعمالها وبذلها للناس كافة ، ولا يفرق في ذلك بين صديقه وعدوه ، ولا بين موافقه ومخالفه . واما وجه العدل من الموسر فهو ان يستعمل النصفة مع طبيبه وإذا كان يعلم أن اجتهاده في إضاعة المال وساير مصالحه انما هو لأجل حاجته وحاجة عائلته اليه ، ويعلم أيضا ان الطبيب محتاج « 209 » إلى مثل ذلك . وقد انتفع الموسر بما يملكه الطبيب في صناعته في نفسه ونفوس أهله ، فمن الواجب اذن « 210 » ان يقوم الموسر للطبيب بمصالحه من قوته وكسوته ودراهمه التي بها يصل إلى مصالح نفسه وجسمه .
ومتى لم يستعمل الموسر ما ذكرناه من العدل اضطر الامر للطبيب إلى أن يستعين على إصابته مصالحه من أوجه أخر ، فان تشاغل بصناعة أخرى ليكتسب منها وبها الدراهم عدل عن صناعة الطب فقلّ فهمه وعلمه بها ودخل الضرر على الموسر والضعيف في
هامش
( 209 ) وردت في الأصل ( محتاجا ) والصحيح ما أثبتناه .
( 210 ) وردت في الأصل ( إذا ) والصحيح ما أثبتناه .