تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
المريض في ابتداء مرضه ، ثم لما تطاول الامر وساءت حال المريض وعلموا ان جميع ما تعبوه وانفقوه ضائع صاروا يحذرون على أكثر الحالات من الطبيب الثاني وان لم يكن عندهم بصورة ذلك فهم يتوقون الاقدام على دوائه بسرعة ويتوقفون بالجملة في جميع ما كانوا يعملونه من مصالح المريض وتوفية الطبيب حقه انتظارا لما يكون من اثره لئلا يجري امره كما جرى مع الأول . فلعلم الطبيب الأول الفاضل بهذه البلايا التي قد انساقت اليه وما يقع فيه من التعب والتهمة ولو بري المريض بعد التعب الشديد لقد كان في ( لجة ) ذلك الطبيب الأول ما يحمله على أن يقول إن البرؤ انما حصل له بتدبيري الأول فيكون ما عمله الثاني تحت الشك . واما ان مات المريض فقد كان انساق اليه من البلايا الشديدة وأعظم لان ذلك الطبيب الأول قد فاز بالفائدة وتخلص من الورطة التي كان فيها والتي يخشاها فيما بعد من سوء الذكر وغيره ، ووقع ذلك الطبيب الثاني في جميع ذلك وتبشم به ولعل من له من الحساد والأعداء يجدون الفرصة من التشنيع عليه بأنه أخطأ عليه وقتله . ويقول أيضا الأول الا كانوا تركوني وتدبيري لقد كان برأ ، ومع جميع ذلك يذهب تعب الثاني ، وان كان اعطى أدوية من عنده لم يحصل على شيء من ثمنها فلجميع هذه الأسباب يرى الطبيب ان الصواب له وخاصة ان رأى أن المريض لا برؤ له الا يعود إلى ذلك المريض فإذا هو انصرف من عنده ولم يعد جاءته الرسل لتعلق مكث المريض وأهله به فحينئذ يقع من المكروه الداعي لأنه ان كان ذلك المريض سلطان أو من حاشيته اخذ قهرا ، وربما سيق إلى حتفه وان كان المريض من متقدمي البلد ومشايخه لم يتهيأ له الامتناع عليه لئلا يتسبب عليه أنواع المكاره بذم ذلك الشيخ وأصدقاؤه له ، فإذا تتابع عليه مثل ذلك الذم مرة بعد مرة لم يمكنه المقام معهم في بلدهم هذا ان سلم من رائجي المكاره ، وان كان ذلك المريض من أشرار الناس كان الفزع أشد وأروع . لان الأشرار لا يفكرون فيما يأتوا به من القبيح ولا يتوقفون ان يعملوه . وان كان ذلك المريض من ضعفاء الناس وفقرائهم قيل عنه انه لم يعنى به لفقره ولأنه لا يرجو منه فائدة فتأمل أيها الحبيب هذه البلايا الرديئة والمكاره العظيمة التي تنساق وتنسب على الأطباء ، وخاصة الأفاضل من سوء عادات الناس وتدابيرهم الرديئة لنفوسهم فكيف تسببت أيضا على المريض فأهلكته ، بل كيف تتسبب أمثالها على الصحيح حتى تمرضه وتهلكه وانما كان مبدأ جميع ذلك الاطمنانية إلى غير الثقة والقبول منه والانبساط اليه وإلى ملقه وحلاوة حديثه ومسارعته في الخدمة واظهاره النصيحة