عندهم كذلك وقد ملّك الملك الطبيب نفسه وجسمه واطمأن اليه في روحه ومهجته ووثقه على حرمه وأولاده ولا شيء أعزّ من ذلك عند الملك ، ولذلك يجب على الملك وعلى جميع من لاذ به ان يعرفوا حق الطبيب وقدر صنعته فيجلونه ويكرمونه ويأنسوا به ولا يدخلوا على قلبه رعبا ولا يستقبلوه بما لا يجب ولا يقبلوا فيه قول واش ولا حاسد ولا يتهموه بل يفعل معه كما فعل الإسكندر لما وجهت اليه أمه تحذرّ من طبيبه لئلا يسمه فدعى بالطبيب عند ورود الكتاب بذلك فقال جئني بشربة لأشربها فلما احضر له الطبيب الدواء تناول الإسكندر الشربة من طبيبه بيمينه وناوله الكتاب بيساره وقال له هذه منزلتك عندي وهذه ثقتي بك فازداد ذلك الطبيب من صرف همته وشغله ليله ونهاره بما يصلح شأنه من حفظ صحته وعلاجه .
وكذلك يجب على الطبيب ان يكون همته ليله ونهاره الدرس والاهتمام بعلم صناعته ليوجد عنده ما يفزع اليه فيه وبذلك ينال الرتب عند اللّه وعند الملوك حتى يشركهم في رتبهم وأموالهم كما حكى جالينوس عن ماليقس « 43 » الطبيب انه عالج بنات اوفروطس « 44 » اللواتي وسوسن بشرب خربق « 45 » وغيره وبرءن ، انه صار ختنا للملك وشريكا في الملك وكذلك نال قوراليس الطبيب لما حملت الريح السفينة من البحر وصار إلى بلد فاريقي وعالج ابنة الملك لذلك البلد أزوجه الملك بابنته وورثه ملكه بعده . وكذلك حكي عن ارسطوطاليس حين دعاه بعض ملوك الروم لعلاج ابنه ولم يكن له سواه فنظر الفتى وجس عرقه ورأى ترتيب مجسته ترتيبا مستويا بانقباض وانبساط فخمن ان المه في نفسه لا في بدنه فأمر الطبيب بكراس جلس الملك والفتى والطبيب عليها وأمر باعراض كل غلام وجارية في الدار عليهم ونبض الفتى في يد الطبيب وهو لازم لترتيبه إلى أن مرت بعض الجواري فتغيرت المجسة واضطربت وفسد الترتيب وارتعد الفتى وتغير فلما فطن الطبيب لذلك وعلم أنه عاشق لها أمسك حتى انقضى المجلس وسأل الطبيب عن تلك الجارية فأخبر بأنها محظية الملك التي لا يرى الدنيا الا بها ، فانصرف ووعد الملك بالعود في غد فلم يعد كراهة ان يلقى الملك
هامش
( 43 ) ماليقس - لعله يقصد لوقس . وهو طبيب عاصر جالينوس وقد الف له جالينوس كتابا في التشريح ( ابن أبي اصيبعة ص 138 ) .
( 44 ) افروطس - لم أقف له على ترجمة .
( 45 ) الخريق - نبت تستعمل عصارته لعلاج الأمراض العقلية والعصبية ( ابن هبل ج 2 / 94 ، ابن البيطار ج 1 / ص 154 ) .